يلعب الإعلام دوراً حيوياً في حياة الشعوب، وذلك لما لوسائله، التقليدية والحديثة، من أهمية كبرى في توعية الأفراد وتثقيفهم وترفيههم. فالإعلام له تأثير اجتماعي وثقافي قوي على مسيرة المجتمعات، الأمر الذي يفرض على القائمين عليه ضرورة عكس الصورة الإيجابية، وليس نشر الشائعات والأخبار المضللة غير الموثوقة. أضف إلى ذلك ما لوسائل الإعلام من دور محوري في إعلام الجمهور بما يحدث في العالم، ولذا فهي لها أثر خطير على المواقف العامة والتغييرات المجتمعية بالسلب والإيجاب.
وفي الماضي القريب، كان لوسائل الإعلام التقليدية، التلفاز والإذاعة والصحافة المكتوبة، تأثير كبير على المجتمعات التي تنشط فيها تلك الوسائل، مع تأثير محدود على المجتمعات المجاورة، والتي قد يصلها البث الإذاعي أو الصحف.
ولكن مع ظهور وتطور وانتشار الثورة الرقمية، فقد برزت على الساحة الإعلامية وسائل أو وسائط إعلامية جديدة تجاوز دورها الحدود الجغرافية والثقافية. ويمكن تعريف الوسائط الإعلامية الحديثة في عصر الثورة الرقمية بأنها القنوات، أو الأدوات المستخدمة لتخزين، أو نقل، أو توصيل المعلومات، أو البيانات. كما يمكن تعريفها بأنها المؤسسات أو المنظمات التي تنتج المعلومات أو المواد الترفيهية وتوزعها على الجمهور باستخدام تلك الوسائط. وبذلك فقد أصبحت الوسائط الإعلامية أساس مكونات صناعة الاتصالات الإعلامية، مثل الإعلام المطبوع، والنشر، ووسائل الإعلام الإخبارية، والتصوير الفوتوغرافي، والسينما، والبث الإذاعي، والإعلان. ولتلك الوسائط دور خطير؛ إذ قد يمتلكها أشخاص منفردون لا يتمتعون بالصفة المؤسساتية والقانونية لمؤسسات الإعلام التقليدية. فقد أتاحت العديد من المنصات الرقمية والمدونات الفرصة لأي شخص ليصبح صانع محتوى، أي أنه يؤدي كافة أدوار العاملين في المؤسسات الإعلامية التقليدية من تحرير وتصوير، وتدقيق، ونشر، وغيره.
ويصف البعض هذا التطور الخطير بديموقراطية المعلومات، وذلك للعديد من الأسباب. فالإعلام، أو الصحافة، في رأيهم، أصبح ملك المواطن الذي بمقدوره الإبلاغ عن الأحداث ونقلها مباشرة وطرح وجهات نظر بديلة وتحديثات آنية. كما تتيح مواقع الإنترنت إمكانية وصول أي شخص في أي وقت وبأي لغة وفي أي مكان لمجموعة كبيرة وشاملة ومختلفة من مصادر الأخبار ووجهات النظر المتنوعة. وبالتالي فإن الثورة الرقمية أتاحت للإعلام فرصة التواصل العالمي والتبادل الثقافي وكسر الحواجز الجغرافية بصورة لا مثيل لها في الماضي القريب.
وهذا أدى، بلا شك، إلى تبادل الأعراف والتقاليد والقيم الثقافية عبر الحدود، مما أثر، وما زال يؤثر، على الهوية الوطنية بكافة مقوماتها في العديد من المجتمعات، وأصبح له تأثير خطير على تشكيل الرأي العام هناك، بجانب تأثيره الكبير على العلاقات الدبلوماسية بين الدول. ولذلك فإنه يستلزم علينا عدم الانغماس فيما يعرف بديموقراطية المعلومات، لأنها في واقع الأمر قد تعكس «الفوضى المعلوماتية» في كافة صورها؛ إذ لا يوجد تسلسل مؤسساتي قانوني تمر من خلاله المعلومة حتى تصل إلى الجمهور، بل من صاحب الموقع الإعلامي للمتلقين مباشرة. كما أن الوسائط الإعلامية الحديثة من الممكن أن يتم استخدامها للدعاية المضللة ونشر الشائعات والتجسس الإلكتروني. ولذلك فإنه من الضروري نشر التوعية المجتمعية بمخاطر وأضرار الوسائط الإعلامية الحديثة، وخاصة على مستوى الأسرة ومؤسسات التعليم، لما لها من أهمية كبرى على تنشئة الأجيال.
*باحث إماراتي