قامت مجموعة من مقاتلي حزب «العمال الكردستاني» يوم الجمعة الماضي، بتسليم أسلحتها وحرقها من خلال مراسم رمزية أُقيمت خارج مدينة السليمانية بإقليم كردستان العراق، تنفيذاً لما أعلنه الحزب في مايو الماضي بأنه سيتخلى عن الصراع المسلح الذي استمر أربعة عقود من أجل إنشاء وطن مستقل للأكراد، وذلك بعد دعوة في فبراير الماضي من زعيم الحزب عبدالله أوجلان المسجون في تركيا منذ 1999.
وتكتسب هذه المبادرة والخطوة التي تمت على طريق تنفيذها أهمية فائقة لا لمستقبل تركيا والأمة الكردية فحسب، وإنما لدول مجاورة تعاني من المشكلة نفسها، وإن بدرجات متفاوتة كسوريا وإيران والعراق، بل إنها تفتح الباب للأمل في حل عديد من الصراعات الداخلية المزمنة في بلدان كثيرة، بعضها يجري على الأرض العربية، وجوهر المسألة الكردية ارتبط تاريخياً بتهميش الأكراد أينما وُجدوا، الأمر الذي أفضى إلى تراكم مطالبهم، فلما لم تتم الاستجابة لها رفعت فصائل كردية السلاح، وبالذات في العراق وتركيا ولاحقاً في سوريا، ولم يفض هذا العمل المسلح لأي تقدم على طريق حل المسألة الكردية، وكان التقدم الوحيد هو حصول أكراد العراق على وضع فيدرالي في دستور العراق ما بعد الغزو الأميركي، غير أن ذلك لم يضع نهاية للمشكلة بدليل استفتاء2017 على انفصال إقليم العراق الذي بلغت نسبة المشاركة فيه 72 في المائة، ونسبة من وافقوا على الانفصال 92 في المائة.
ولاحقاً أعلن أكراد سوريا عقب عمليات المعارضة المسلحة ضد نظام الأسد منذ2011 حكماً ذاتياً في إقليمهم، ولذلك فإن أي حل سياسي ناجح للمسألة الكردية في تركيا لابد وأن تكون له انعكاساته الإيجابية على عموم المشكلة، بل على عديد من الصراعات الداخلية المزمنة في المنطقة.
غير أن ثمة ملاحظات واجبة على هذه الخطوة الإيجابية ينبغي أخذها في الاعتبار إذا أُريد لها أن تكتمل، وأولى هذه الملاحظات أن ثمة محاولات جادة للحل تُرجمت دستورياً في العراق في مطلع ثمانينات القرن الماضي.
وفي تركيا منذ تولي إردوغان رئاسة الوزراء 2002، لكن هذه المحاولات أُجهضت لأسباب عديدة لا يسمح حيز المقال بتحليلها، لكن المهم دراستها لمعرفة أسباب الإخفاق والعمل على تفاديها، والملاحظة الثانية أن نجاح مبادرة أوجلان يتطلب إجماعاً من الطرفين عليها، ومن المنطقي أن يكون هناك معترضون أتراك وأكراد، لكن المهم أن تتوفر أغلبية لدى الطرفين قادرة على السير في هذا المسار لنهايته وضمان عدم تخريبه، كما جرى سابقاً، وحتى الآن لا توجد مؤشرات مقلقة على معارضة قوية تركية أو كردية للمسار السلمي.
أما الملاحظة الثالثة فتكمن في التفاصيل التي يقولون إن الشيطان يكمن فيها، فأمور مثل ضمانات الحقوق المتساوية التي سيحصل عليها الأكراد بعد حلول السلام، والكيفية التي ستُسَوَّى بها أوضاع مقاتلي «حزب العمال»، تنطوي على تعقيدات ينبغي الحذر منها والتحسب لها، بل إن مسألة الإفراج عن أوجلان زعيم الحزب وصاحب المبادرة يمكن أن تسبب تعقيدات إنْ تأخرت، وعموماً، فإن المرء ليتمنى للمبادرة أن تنجح، فقد عانى العالم كثيراً -ومنطقتنا بصفة خاصة- من صراعات دموية أفضت لأضرار فادحة كان ممكناً تجنبها لو ساد منطق الرشادة، الذي يحتم الاعتراف بمبدأ المساواة في المواطنة من جانب، ووحدة التراب الوطني من جانب آخر.
*أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة.