تُعد تكساس من أبرز الولايات الأميركية التي تقدم دعماً مالياً لصناعة الوقود الأحفوري. ولكن مقابل هذا الدعم، يدفع الجميع - وخاصة سكان تكساس - ثمناً باهظاً يتمثل في زيادة المخاطر المادية والمعاناة الاقتصادية. نعلم الآن أن تغيّر المناخ لعب دوراً - ولو صغيراً - في الفيضانات المدمّرة التي وقعت في 4 يوليو وسط تكساس، وأسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 119 شخصاً.

ونعلم أيضاً أن حرق الوقود الأحفوري هو المصدر الرئيسي لانبعاثات غازات الدفيئة التي تؤدي إلى احترار المناخ وزيادة احتمال وقوع مثل هذه الكوارث وشدتها. كما نعلم أن تكساس تتصدر الولايات المتحدة في إنتاج النفط. وللإنصاف، فقد دعمت تكساس أيضاً مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، مما ساهم في ازدهار هذه الصناعات على مستوى البلاد. لا تقتصر الخسائر الناتجة عن هذا الدعم على الإيرادات الضائعة، بل تطال سكان تكساس بشكل مباشر. فلو طُلب منك تخمين الولاية الأميركية الأكثر عرضة لتأثيرات تغيّر المناخ، قد تختار فلوريدا لكثرة الأعاصير، أو كاليفورنيا لكثرة الحرائق.

لكن حجم تكساس وموقعها الجغرافي يجعلها تتفوق على كلتيهما، إذ إنها معرضة لمجموعة من الكوارث: الأعاصير، الحرائق، الفيضانات، الجفاف، موجات البرد القارس، موجات الحر، والعواصف العنيفة. بين عامي 1980 و2024، شهدت تكساس 190 كارثة مناخية منفصلة، كل واحدة منها تسببت في أضرار لا تقل عن مليار دولار، وفقاً للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، بإجمالي خسائر تصل إلى 440 مليار دولار بعد تعديلها حسب التضخم، ما يجعلها أكثر الولايات تضرراً. وقد ازدادت وتيرة هذه الأحداث وشدتها خلال العقود الأخيرة، وكثير منها وقع بشكل متزامن مما زاد من حجم المعاناة. فمثلاً، بعد أن ضرب إعصار بريل مدينة هيوستن العام الماضي وتسبب في انقطاع الكهرباء، جاءت موجة حر شديدة لتملأ غرف الطوارئ بالمرضى.

وفي حالة فيضانات 4 يوليو، أدت موجة جفاف سابقة إلى جعل التربة أقل امتصاصاً للمياه، مما جعل الفيضانات السريعة الناتجة عن الأمطار الغزيرة أكثر احتمالية. وقد توقفت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي عن تتبع الكوارث التي تتسبب بخسائر بمليارات الدولارات، ربما لأنها تعتقد أن تجاهل المشكلة سيجعلها تختفي! ولكن وفقاً لشركة «أكيو ويذر» الخاصة للتنبؤات، شهدت تكساس هذا العام وحده كارثتين على الأقل من هذا النوع؛ إذ تسببت عاصفة شتوية غريبة على ساحل خليج المكسيك في يناير بخسائر اقتصادية تصل إلى 17 مليار دولار من تكساس إلى الساحل الشرقي. وتقدّر الشركة أن فيضانات يوليو قد تكلف ما يصل إلى 22 مليار دولار.

تقول أكيو ويذر: إن تقديراتها أوسع من تقديرات NOAA، حيث لا تقتصر على الأضرار المباشرة فقط، بل تشمل أيضاً الاضطرابات الاقتصادية والخسائر في الإنتاجية، إضافة إلى القيمة غير القابلة للحساب للكثير من الأرواح التي فُقدت والإمكانات المستقبلية الضائعة. ومن المتوقع أن تستمر هذه المخاطر في التزايد مع اشتداد التغيرات المناخية وزيادة عدد السكان في تكساس. حتى قبل الكارثة الأخيرة، كانت تكساس تتصدر الولايات المتحدة في عدد الوفيات الناجمة عن الفيضانات، وفقاً لدراسة أجراها علماء من جامعة تكساس في سان أنطونيو عام 2021.

وقد وقعت معظم تلك الوفيات، مثلما حدث في 4 يوليو، في منطقة تُعرف بـ «ممر الفيضانات السريعة»، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من 12 مليون نسمة، ومن المتوقع أن يتضاعف بحلول عام 2050. وعلى الرغم من أنها عرضة للفيضانات السريعة، فإنها أيضاً معرضة لنفاد المياه الجوفية، كما تتعرض لمواسم حر أطول.

وإضافة إلى كل ذلك، فإن مدنها تغوص بمعدل أسرع من غيرها في الولايات المتحدة، ويُعتقد أن ذلك نتيجة لاستخراج النفط والغاز. ومع تصاعد هذه المشكلات المتداخلة، ترتفع تكلفة معالجتها على دافعي الضرائب. فبفضل ازدياد الكوارث المكلفة ارتفع متوسط أقساط التأمين على المنازل في تكساس بنسبة 55% بين عامي 2019 و2024، وهو عاشر أعلى معدل في البلاد، بحسب موقع «ليدنج تري» LendingTree. وتحتل تكساس الآن المرتبة الرابعة من حيث أعلى متوسط لأقساط التأمين، والذي بلغ 5180 دولاراً سنوياً، أي بزيادة تقارب 85% من المتوسط الوطني البالغ 2801 دولار. وقد تؤدي هذه المعدلات المرتفعة إلى انخفاض قيمة العقارات، كما حدث في فلوريدا، مما يهدد عائدات الضرائب العقارية التي تعتمد عليها الحكومات المحلية للاستثمار في البنية التحتية، فضلاً عن تقديم الخدمات الأساسية.

وربما تكون أهم دروس فيضانات يوليو هي أننا غير مستعدين بشكل كافٍ لمثل هذه الكوارث، حيث تلقى البعض تحذيرات من الفيضانات في الوقت المناسب أنقذت حياتهم، في حين لم يتلقَ آخرون شيئاً. وتحت إدارة الرئيس دونالد ترامب والكونجرس «الجمهوري»، تقوم الحكومة الفيدرالية بسحب التمويل الذي كان مخصصاً لهذه الاستعدادات من الحكومات المحلية والولائية، في حين تضخ المزيد من الأموال في قطاع النفط والغاز، مما يزيد من تفاقم المشكلة. لا تزال هناك فرصة أمام تكساس لإنقاذ نفسها. يمكنها، على سبيل المثال، أن تواصل دعم قطاع الطاقة المتجددة، الذي ينتج حالياً طاقة من الرياح والشمس تعادل تقريبا ضعف ما تنتجه كاليفورنيا. والأفضل من ذلك، يمكنها تعزيز البنية التحتية وإنقاذ الأرواح عبر تمول الكثير من أنظمة التحذير من الفيضانات.

*كاتب متخصص في قضايا تغير المناخ.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»