شهدت السنوات القليلة الماضية اهتماماً واستثماراً عالمياً متزايداً في تقنية احتجاز الكربون كوسيلة لالتقاط الانبعاثات المسببة لتغير المناخ قبل وصولها إلى الغلاف الجوي.
وتُعدّ تقنية احتجاز الكربون وسيلةً لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون من مصادر الانبعاثات مثل محطات الطاقة أو المنشآت الصناعية، حيث يُحتجز ثاني أكسيد الكربون قبل دخوله الغلاف الجوي ثم يُخزّن بشكل دائم تحت الأرض، أو يُدمج في أنواع معينة من المنتجات مثل الخرسانة أو المواد الكيميائية الأخرى لتقليل تلك الانبعاثات الضارة بالبيئة والمناخ. تشمل إزالة الكربون مجموعة من الأساليب بدءًا من الأساليب المألوفة كترميم الأشجار وصولاً إلى الأساليب التكنولوجية الحديثة مثل التقاط الكربون من الهواء مباشرة. ومن أنواع إزالة الكربون الأخرى الطاقة الحيوية التي تعتمد على التقاط الكربون وعزله، حيث تُحرق الكتلة الحيوية وتُستخدم تقنية التقاط الكربون لالتقاط تلك الانبعاثات قبل دخولها الغلاف الجوي.
ويُعدّ احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه من بين إحدى الطرق العديدة لخفض الانبعاثات في الخطط المناخية طويلة الأجل، وخطط تحقيق صاف صفري التي تضعها الدول أو الشركات بعين الاعتبار، وعلى المدى الأبعد تُعد إزالة الكربون ضرورية أيضاً لتحقيق انبعاثات صافية سلبية والحفاظ عليها، وذلك لتقليل فائض ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي الذي يُسبب آثاراً مناخية ضارة. غالباً ما يتم استخدام مصطلح احتجاز الكربون وتخزينه أو مصطلح التقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والفرق بين الاثنين هو التعامل المحدد مع الكربون الملتقط، حيث يشير المصطلح الأول إلى الالتقاط ثم التخزين في أعماق الأرض، بينما يشير الثاني إلى التقاط الكربون واستخدامه أي إعادة تدويره لمزيد من الاستخدام في منتجات أخرى. ونظراً لأن كلا النهجين يلتقطان ثاني أكسيد الكربون المنبعث ويخزنانه بشكل فعال سواء كان ذلك تحت الأرض في التكوينات الجيولوجية، أو التخزين طويل الأجل في المنتجات المادية غالباً ما يتم التعامل مع المصطلحين بالطريقة نفسها.
دول عديدة باتت تستثمر بقوة في هذا المجال، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية والنرويج والصين، وفي منطقة الشرق الأوسط تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كمثال ملهم في تبني حلول الكربون؛ ففي أبوظبي هناك مشروع «الريادة»، الذي يجمع بين شركتي «أدنوك» و«مصدر»، وذلك لالتقاط الكربون من المنشآت الصناعية، مما يجعل الإمارات أول دولة في المنطقة تطلق مشروعاً متكاملاً لالتقاط الكربون وتخزينه. وتقوم «أدنوك» حالياً بتشغيل منشأة الريادة لالتقاط الكربون واستخدامه وتخزينه، والتي تستطيع التقاط ما يصل إلى 800 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. كما أعلنت الشركة مؤخراً عن أحد أكبر مشاريع التقاط الكربون في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في منشآت حبشان، ومشروع آخر لالتقاط الكربون ضمن مشروع تطوير حقلي الحيل وغشا البحري، مما يساهم في رفع قدرة مشاريع التقاط الكربون التي التزمت أدنوك بالاستثمار فيها إلى حوالي 4 ملايين طن سنوياً. ورغم التقدم التقني تواجه هذه الحلول تحديات متعلقه بالتكلفة العالية ونقص البنية التحتية للنقل والتخزين، إضافة إلى غياب الأطر التشريعية الواضحة في بعض الدول، كما أن القبول المجتمعي لاستخدام وتخزين الكربون تحت الأرض لا يزال موضع نقاش في بعض الأوساط.
ثمة أدلة متزايدة تشير إلى أن استخلاص الكربون وتخزينه يمكن أن يضطلع بدور حيوي في الحد من الانبعاثات الكربونية على مستوى العالم خاصة في القطاعات التي يصعب التخلص من الكربون فيها، مثل النقل الثقيل والتدفئة والتطبيقات الصناعية لذلك، فالاستثمار في استخلاص الكربون وتخزينه على نطاق واسع قد يساعد العالم في تحقيق طموحاته المتعلقة بالوصول إلى صافي انبعاثات صفري. يرى كثير من الخبراء أن تسريع نشر تقنية التقاط الكربون وتخزينه يتطلب دعماً حكومياً مباشراً، من خلال تقديم الحوافز المالية وتعديل التشريعات في بعض الدول، كما أن دمج هذه التقنيات مع مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وأنظمة الذكاء الاصطناعي سيجعلها أكثر فعالية واستدامة على المدى الطويل. وفي عالم يعاني من ارتفاع درجات الحرارة واشتداد الظواهر المناخية تمثل تقنية التقاط الكربون وتخزينه فرصة ذهبية لتقليل البصمة الكربونية دون إيقاف عجلة الصناعة، وقد تصبح تقنية التقاط الكربون وتخزينه أحد المفاتيح الحاسمة لمستقبل أكثر توازناً بين التقدم الصناعي والحفاظ على الكوكب.
*خبير في الطاقة المتجددة.