تعيش فنلندا حالياً أحد أسوأ كوابيس أوروبا، حيث يلعب حزب «الفنلنديين» اليميني المتشدد حالياً دوراً رئيسياً في إدارة شؤون البلاد. على مدار عقود، بذلت العديد من الدول الأوروبية جهودًا حثيثة لتجنب هذا السيناريو. ففي ألمانيا وفرنسا، لا تزال الأحزاب السياسية الرئيسية تتعاون فيما بينها لعزل الأحزاب اليمينية المتشددة، ومنعها من الوصول إلى السلطة رغم تزايد شعبيتها.
أما في ألمانيا، حيث لا تزال ذكرى الحقبة النازية حاضرة في الوعي الجماعي، يُعد صعود حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني بمثابة أزمة وجودية. إلا أن المشهد الذي حل فيه حزب الفنلنديين في المرتبة الأولى، خلال الانتخابات الوطنية عام 2023، تكشف عن صورة مثيرة للاهتمام، تشير إلى أن هذه المخاوف لم تتحقق كما كان يُعتقد. حتى بين الداعمين المحتملين لحزب «الفنلنديين»، بدأ الحماس يتراجع، بسبب مشاركة الحزب في الحكومة، كما تراجعت نسبة تأييده في الانتخابات الأخيرة إلى النصف. وفي فنلندا والدنمارك وهولندا، اكتسب اليمين المتشدد السلطة في السنوات الأخيرة، إلا أن النتائج لم تكن أسوأ السيناريوهات.
ورغم أنهم تركوا بصماتهم على حسب اختلاف كل دولة عن الأخرى، إلا أن تلك التجارب مجتمعة تشير إلى عدة اتجاهات رئيسية، من أهمية التزام الأحزاب بسيادة القانون إلى إدراك أن تجاهل الناخبين لأحزاب اليمين المتشدد لا يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع. كما أن إبقاء هذه الأحزاب خارج الحكومة قد يصب في مصلحتها. أما حين تصل إلى الحكم، فتواجه واقعًا أكثر صعوبة. وقد اصطدم «حزب الفنلنديين» بمشكلات لا تتعلق فقط بمسألة الهجرة الصارمة التي تعتبر قضية أساسية، إذ إن القضية الأبرز في السياسة الفنلندية اليوم هي تكلفة دولة الرفاه. ولم تلق تخفيضات الإنفاق التي أقرها «حزب الفنلنديين» أي شعبية.
وشهد «عام الانتخابات» العام الماضي، حين صوت أكثر من نصف العالم، اتجاهًا واضحًا تمثل في انقلاب الناخبين على الحكومات القائمة. والآن، يشعر حزب الفنلنديين بهذه التداعيات. وقد تكرر هذا السيناريو مؤخراً في هولندا، حيث حل حزب «من أجل الحرية» اليميني المتشدد في المرتبة الأولى في انتخابات البرلمان لعام 2023، متقدّمًا بـ12 مقعدًا على أقرب منافسيه (37 مقعدًا مقابل 25). ولم تصمد الحكومة الائتلافية التي شكّلها مع أحزاب محافظة أخرى أكثر من عام.
ففي مطلع يونيو الماضي، سحب زعيم حزب «من أجل الحرية» خيرت فيلدرز حزبه من الائتلاف بعد أن أظهرت استطلاعات الرأي انهيار شعبيته، إذ لم يتمكن من الوفاء بوعوده الجريئة، وعلى رأسها تطبيق «أكثر سياسات اللجوء صرامة على الإطلاق». وتواجه تلك المشكلة الدائمة العديد من أحزاب اليمين المتشدد، فإما أن تتطور وتصبح أكثر اعتدالاً، كما حدث في إيطاليا، أو تستولي على كامل مؤسسات الدولة.
ويقول غيريت فورمان، أستاذ العلوم السياسية في جامعة خرونينغن الهولندية: «كان حزب من أجل الحرية جزءًا من المعارضة، وكل ما كان بوسعه هو الانتقاد. أما الآن، ولأول مرة، كان عليه أن يُثبت قدرته على الحكم». ولكي يتمكن خيرت فيلدرز من تشكيل ائتلافه في المقام الأول، اضطر إلى تقديم تعهدات بحماية الدستور الهولندي، الأمر الذي قد يبدو بديهيًا، ولم يحدث من قبل أن شعر أي شريك ائتلافي بالحاجة إلى المطالبة بذلك صراحة، مما يدل على مدى تمسكهم بسيادة القانون. فعلى سبيل المثال، غير فيلدرز موقفه تجاه الإسلام حتى يتمكن الآخرون من التعاون معه.
لم يلحظ البروفيسور غيريت فورمان أن شركاء فيلدرز في الائتلاف حاولوا تقويضه منذ البداية. بل يقول: «شركاؤه في الائتلاف أرادوا أيضًا سياسة هجرة أكثر تشددًا، ولهذا فتحوا له الباب أصلًا. لكن الأمور تسير ببطء في حكومات الائتلاف».
أما في الدنمارك، فقد اتخذ الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ذو التوجهات الوسطية-اليسارية، خطوة جريئة لمواجهة صعود اليمين المتشدد، إذ غير سياساته بشكل جذري. ففي عام 2015، حصل حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد على 21% من الأصوات، وانضم إلى ائتلاف حاكم. وردًا على ذلك، قامت ميته فريدريكسن بنقل الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى موقع اليمين التقليدي، بل وتجاوزته إلى موقع أكثر يمينية منه، فيما يتعلق بسياسات الهجرة، وفقًا لرونه ستوباغر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة آرهوس.
وكانت الفكرة هي اتباع سياسة «صارمة ولكن عقلانية» تجاه الهجرة. وفي الوقت ذاته، اتجهت فريدريكسن نحو اليسار في السياسات الاقتصادية، فعززت فكرة دولة الرفاه. وكلا التوجهين كان هدفه استقطاب «الناخبين من الطبقة العاملة التقليدية»، أولئك الذين يشعرون بتهميشهم بشكل متزايد من قبل الأحزاب الرئيسية ذات التوجهات «النخبوية».
وكانت النتيجة انهيارًا شبه كامل لحزب الشعب الدنماركي، الذي لم يفز سوى بخمسة مقاعد في انتخابات 2022، بينما حافظت فريدريكسن على منصبها كرئيسة للوزراء منذ عام 2019، وأُعيد انتخابها في 2022. ويشير البروفيسور ستوباغر إلى أن هناك نسبة ثابتة تتراوح بين 12% إلى 14% من الناخبين تطالب بإصلاحات أكثر تشددًا في سياسات الهجرة.
ويقول: «لن تتمكن من الحد من دعم هذه الأحزاب ما لم تنفذ بعض السياسات التي يطالبون بها». ومن المهم الإشارة إلى أن حزب الشعب الدنماركي وحزب الفنلنديين يتمتعان بخلفية أكثر اعتدالًا من حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الذي يمتلك جناحًا راديكالياً واضحاً يُغازل خطاب الحقبة النازية. إلا أن الدنماركيين أيضًا حاولوا ذات مرة بناء «جدار حماية» خاص بهم لإبعاد حزب الشعب. ففي عام 1999، قال رئيس الوزراء الدنماركي آنذاك لحزب الشعب: «مهما حاولتم، فلن يمكن ترويضكم أبدًا». وعلق البروفيسور ستوباغر قائلًا: «لم ينجح ذلك في إبعاد الناخبين عنهم. بل جاء بنتائج عكسية».
*كاتب أميركي
ينشر بترتب خاص مع خدمة «كريستيانن ستاينس مونيتور»