في براري ألاسكا الشاسعة، أجرت وزارة الدفاع الأميركية تجارب على طائرات مسيّرة هجومية تُستخدم لمرة واحدة، في إطار جهود عاجلة لتحديث القدرات العسكرية للقوات. وانطلقت الطائرات، التي تُشغلها شركات مصنعة للطائرات المسيّرة تم التعاقد معها من قِبل وحدة خاصة تابعة لوزارة الدفاع، لرصد أهداف مبرمجة وتحطيمها عن طريق الاصطدام بها، إلا أن بعضها أخطأ، أو تحطم أثناء التجربة. واستمرت الاختبارات أربعة أيام، بينما استخدم الجنود معدات إلكترونية لمحاكاة التصدي للطائرات.
وكان الهدف من التمرين مساعدة مقاولي الدفاع والجنود الأميركيين على تحسين مهاراتهم في حروب الطائرات المسيّرة، إلا أنه كشف عدم استعداد الجيش الأميركي. فوفقاً لأكثر من 12 مسؤولاً عسكرياً أميركياً وخبيراً في صناعة الطائرات المسيّرة، تتأخر الولايات المتحدة عن روسيا والصين في تصنيع هذه الطائرات، وتدريب الجنود على استخدامها، والدفاع ضدها.
وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يرى بأن بلاده متأخرة في مجال الطائرات المسيّرة، وأعلن عن سلسلة من السياسات والاستثمارات الجديدة لسد الفجوة، مشيراً إلى أن القوانين القديمة والروتين البيروقراطي جعلا من الصعب على القادة شراء الطائرات وتدريب الجنود، في وقت أنتج فيه الخصوم ملايين الطائرات المسيّرة زهيدة الثمن. هذا الموقف الذي أفصح عنه هيغسيث جاء في أعقاب أمر تنفيذي وقعه الرئيس دونالد ترامب الشهر الماضي بعنوان «إطلاق العنان للهيمنة الأميركية على الطائرات المسيّرة»، والذي يُوجه الوكالات الفيدرالية لتسريع الموافقات على تصنيع الطائرات، وحماية سلسلة توريدها من «التأثير الأجنبي غير المبرر». لكن بناء صناعة محلية قادرة على تلبية احتياجات الجيش يتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة، فرغم تفوق أميركا في تصنيع طائرات متقدمة تكلف الواحدة عشرات الملايين من الدولارات مثل «بريديتور»، و«ريبر»، إلا أن الحروب الحديثة تعتمد على طائرات صغيرة ورخيصة، وتنتج غالبية هذه الطائرات بمكونات صينية. وأصبحت الطائرات المسيّرة السلاح المفضل في الحروب الحديثة، كما ظهر في أوكرانيا حين استخدم الجنود طائرات درون تجارية من نوع «مافيك» المُعدلة التي تُنتجها شركة «دي جيه آي» الصينية، أكبر شركة مُصنعة للطائرات المسيرة عالمياً، وتُباع بأسعار تتراوح بين 300 و 5000 دولار حسب الطراز.
وتسيطر الشركة الصينية، ومقرها في مدينة شنتشن، على نحو 70% من سوق الطائرات المسيّرة الترفيهية والصناعية عالمياً، وتبيع منتجاتها في الولايات المتحدة أيضاً، إلا أن القوانين الأميركية تحظر على الجيش شراء طائرات صينية بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي. ورفضت الشركة الكشف عن بيانات إنتاجها، لكن خبراء الصناعة يؤكدون أنها تتفوق بشكل ساحق على جميع المنافسين، كما أنها تُصنع ملايين الطائرات سنوياً، أي أكثر بمئة مرة من قدرة أي شركة أميركية.
ورغم أن «دي جيه آي» ليست شركة عسكرية، وقد صرحت بأنها تقطع التعامل مع العملاء الذين يستخدمون طائراتها في النزاعات المسلحة، إلا أن هيمنتها شبه الكاملة على سوق الطائرات المسيرة ومكوناتها أثارت قلقاً في واشنطن، حيث يُريد بعض المشرعين حظر منتجاتها لتطوير الصناعة المحلية، إلا أن جعل هذا التطوير قادراً على تلبية احتياجات الجيش الأميركي سيستغرق وقتاً ومالاً.
واقتحم مستثمرو وادي السيليكون المجال بضخ أموال طائلة في شركات الطائرات المسيّرة الأميركية، متوقعين أن تُبرم وزارة الدفاع الأميركية عقوداً ضخمة لشراء طائرات محلية الصنع. واستثمر صندوق مؤسسي «بيتر ثيل» أكثر من مليار دولار في شركة «أندوريل إندستريز»، وهي شركة أميركية متخصصة في تكنولوجيا الدفاع وأنظمة التحكم الذاتي.
كما انضم دونالد ترامب الابن العام الماضي إلى مجلس إدارة شركة «أنيوجوال ماشينز»، وهي شركة أميركية أخرى لصناعة الطائرات المسيّرة، العام الماضي. ولدى الولايات المتحدة نحو 500 شركة ناشئة، دون سجل إنتاجي أو تجاري، تُصنّع طائرات مسيرة في الولايات المتحدة، لكن إنتاجها السنوي لا يتجاوز 100 ألف طائرة.
ويتنافس المؤسسون على فرص لعرض منتجاتهم أمام الوحدات العسكرية التي بدأت مؤخراً في إدخال الطائرات المسيّرة إلى عملياتها. ويُتوقع أن تزيد المنافسة بعد التعديلات التي أعلن عنها وزير الدفاع بيت هيغسيث يوم الخميس الماضي، والتي تسهّل على العسكريين شراء هذه الطائرات. لكن التدريب في ألاسكا أظهر مدى صعوبة تطوير قدرات الطائرات المسيرة محلياً.
وشهد أول يومين من الاختبار سلسلة من الإخفاقات. وكانت شركتان تختبران نماذج أولية لطائرة مسيّرة بعيدة المدى يمكنها التحليق لساعات، والملاحة دون الحاجة إلى نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) أو مشغل بشري، والاصطدام بهدف مُدرب على تمييزه. وكانت الشركتان من بين أربع شركات وصلت إلى المرحلة النهائية من بين أكثر من 100 شركة تقدمت للحصول على تمويل وحدة ابتكار الدفاع لتطوير الأنظمة. وكانت شركتان أخريان على وشك اختبار نماذجهما الأولية في أوكرانيا.
وفي حين أن العديد من الطائرات المسيّرة الصغيرة تُدار يدوياً عبر مشغلين بشريين، تسعى وحدة الابتكار الدفاعي إلى تطوير أنظمة شبه مستقلة يمكن تدريبها بواسطة الذكاء الاصطناعي للتعرف على أهداف العدو ومهاجمتها حتى في حال انقطاع الاتصال مع المشغل البشري، وهي القدرات التي يؤكد الخبراء حاجة أميركا إليها، إلا أنهم يرون أن هناك تحديات تكنولوجية صعبة لا تزال قائمة.
*كاتبة أميركية حائزة جائزة بوليتزر في فئة التعليق الصحفي .
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»