تقف أوروبا اليوم على مفترق طرق، ويبدو أنها قررت أن تظل مراوحة مكانها. وهذه للأسف هي النتيجة المحزنة والدراماتيكية التي يبدو أنها بدأت تتأكد. وصول دونالد ترامب إلى السلطة وضع نهاية لمفهوم «العالم الغربي»، كما عرفناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
فرئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل نددّ بالستار الحديدي في 1946، وفي 1947 أعلن الرئيس الأميركي هاري ترومان قيادة الولايات المتحدة للعالم الحر، وفي 1949 تم إنشاء التحالف الأطلسي، وفي 1950 تأسّست منظمة دائمة هي حلف شمال الأطلسي. ومنذ 80 عاماً، تتولى الولايات المتحدة ضمان أمن الدول الأوروبية في مواجهة تهديد موسكو، سواء بوصفها عاصمة للاتحاد السوفييتي أو روسيا، وبالمقابل، مارست الولايات المتحدة القيادة الاستراتيجية.
ولكن وصول دونالد ترامب إلى السلطة كسر هذا الإطار. الرئيس الأميركي يريد مهاجمة المؤسسات متعددة الأطراف والأمم المتحدة والقانون الدولي الذي يدّعي الأوروبيون أنهم أكثر الأمم دفاعاً عنه. لا بل إن دونالد ترامب يذهب إلى حد التشكيك في فكرة التحالف عبر قوله إن أوروبا وجدت «لخداع الولايات المتحدة» أو إن الدول الأوروبية عدو للولايات المتحدة. كما يسعى إلى إبرام صفقة مباشرة مع روسيا فوق رؤوس الأوكرانيين والأوروبيين. وهكذا يختفي الانقسام القائم بين العالم الغربي وروسيا.
وتظهر محله رغبة في إعادة تشكيل محور موسكو-واشنطن، وكلاهما يمقتان الاتحاد الأوروبي وقيمه المعلنة. لقد كانت الولايات المتحدة تبدو كقوة حامية لحلفاء الناتو، ولكنها بدأت الآن تتخذ شكل قوة تريد ضم كندا وغرينلاند (جزء من الدنمارك)، مهاجِمة بذلك عضوين مؤسسين لحلف شمال الأطلسي.
وفي الأثناء، مازالت أوروبا، التي كانت قد حدّت من إمكانيات تقاربها مع روسيا حتى قبل الحرب في أوكرانيا بفترة طويلة إرضاءً للولايات المتحدة، مازالت تجد نفسها مهدَّدة من قبل موسكو، غير أنها فقدت ضمانة الأمن التي كانت تتمتع بها في السابق. وفي ظل الرسوم الجمركية التي شنّها دونالد ترامب على العالم كله، تتم معامَلة الحلفاء والخصوم والجميع بالطريقة نفسها. فلا فرق بين الصين وفيتنام واليابان والأوروبيين أو الدول الأفريقية.
والتحالف لم يعد يوفّر مزايا. وإذا كانت أوروبا تمثّل منافساً اقتصادياً للولايات المتحدة وحليفاً استراتيجياً لها، فإنها أصبحت اليوم خصمها التجاري. كما أصبح دونالد ترامب يشكّك في المادة الخامسة من التحالف التي تجعل تضامن الحلفاء في حالة الحرب هو المبدأ الأسمى. ولكن، ما الذي يمكن أن تفعله أوروبا في مواجهة التحدي الأميركي؟ في مواجهة النزعة الأحادية الراهنة للولايات المتحدة، كان يمكن لأوروبا أن تسعى إلى إعادة التأكيد على مبادئ القانون الدولي وأسبقيتها في إدارة شؤون العالم وتمسكها بالمؤسسات الدولية، إلخ.
غير أن أوروبا فقدت مصداقيتها من هذه الناحية بسبب ازدواجية المعايير، فيما يتعلق باحترام المبادئ العالمية والقانون الدولي بين الوضع في أوكرانيا وغزة. ونتيجة لذلك، لم تعُد دول الجنوب العالمي تجد لدى الدول الأوروبية مصداقية بخصوص هذه المسألة، بالنظر إلى أن الأخيرة سارعت إلى فرض عقوبات على روسيا في غضون أسبوع، وأصرت على أن تفعل دول الجنوب العالمي الشيء نفسه باسم المبادئ العالمية، ولكنها لا تفعل شيئاً حينما تنتهك إسرائيل هذه المبادئ على نطاق واسع منذ 21 شهراً.
ولهذا فإنه من الصعب على أوروبا أن تعلن نفسها اليوم مدافعة عن مبادئ تطبّقها بشكل انتقائي. وبعد تخلي حاميها التقليدي عنها، كان بوسع الدول الأوروبية أن تقول إنه لا خيار أمامها سوى التوجه نحو الاستقلال الذاتي الاستراتيجي. وقد ذهب المستشار ميرتز إلى حد القول إن على ألمانيا أن تصبح مستقلة عن الولايات المتحدة. ولكن يبدو أن الأوروبيين يرتجفون حينما ينتقلون إلى التطبيق. ففي قمة حلف شمال الأطلسي التي عُقدت في يونيو الماضي، وافقت جميع الدول باستثناء إسبانيا على مبدأ زيادة إنفاقها العسكري إلى 5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي.
وهو رقم ليس له أي مسوغ عقلاني أو جيوسياسي، ولكن ترامب، الذي يوازن بين امتثال الولايات المتحدة للمادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو وبين زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي إلى 5 في المئة، هو الذي اشترطه.
إنها زيادة تُترجَم بشراء الأسلحة من الولايات المتحدة. وعلاوة على ذلك، وبدلاً من الوقوف في وجه ضغوط واشنطن كما فعلت الصين، يقول الأوروبيون في المفاوضات التجارية إنهم مستعدون لتقديم تنازلات، مقنعين أنفسهم بأن اتفاقاً سيئاً أفضل من الحرب، أو من عدم اليقين الناتج عن عدم وجود اتفاق. ولذلك سيتعين عليهم قبول شروط لا تصبّ في مصلحتهم أكثر من تلك الموجودة حالياً.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية- باريس