عكاساً لرؤية دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تضع الإنسان أولاً بوصفه جوهر كل سياسة تنموية، وإدراكاً منها للدور الحيوي، الذي أدّاه كبار المواطنين في بناء الوطن وإثراء مسيرته التنموية، أطلقت وزارة الطاقة والبنية التحتية مبادرة إسكانية متكاملة، تهدف إلى تأمين تمويل قرارات الدعم السكني للمواطنين، مع تركيز خاص على كبار المواطنين، باعتبارهم من الفئات ذات الأولوية في الدعم الحكومي والرعاية الاجتماعية.
وتمثّل هذه المبادرة خطوةً استراتيجيةً ضمن منظومة الرعاية الاجتماعية في دولة الإمارات، وهي تتجاوز كونها مجرد إجراء تمويلي، لتتحول إلى سياسة مجتمعية متقدّمة تُجسِّد قيم الوفاء وتعكس روح التكافل، التي تُميّز مجتمع دولة الإمارات، وهي تنسجم مع التوجهات الوطنية الهادفة إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية، وتعزيز مقوّمات الاستقرار الأسري والمعيشي للمواطنين كافة، لا سيما مَن تجاوزوا مرحلة العطاء العملي النشط ويحتاجون إلى بيئة سكنية آمنة تحفظ كرامتهم وتُقدّر ما قدّموه للوطن.
وقد جاءت المبادرة استجابةً لتحدٍّ رئيسي واجهته شريحة واسعة من كبار المواطنين على مدى سنوات، ويتمثّل في القيود التأمينية والتمويلية المرتبطة بالسن، والتي حالت دون حصولهم على التمويل السكني الكافي. ففي السابق، كان الحد الأقصى لسن سداد القروض لا يتجاوز 70 عاماً، ما أدى إلى استبعاد عدد كبير من الطلبات المستحقة. أما اليوم، فقد رُفع هذا الحد إلى 95 عاماً، وهو ما يشكّل تحوّلاً جوهرياً يعكس إدراك الدولة لأهمية شمول هذه الفئة في مظلة الدعم، وتأكيدها ألا يُستثنى أحد من حقوقه لاعتبارات العمر أو الوضع الصحي.
ولا تقف المبادرة عند تعديل الشروط التمويلية، بل تطرح نموذجاً تكافلياً متكاملاً قائماً على التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، إذ يتم تنفيذها بالشراكة مع البنوك الوطنية وشركات تأمين مثل «سكون تكافل» و«أبوظبي الوطنية للتأمين»، وتحت إشراف مباشر من مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي. وتهدف هذه المنظومة إلى تقديم تغطية تأمينية عادلة وموحّدة تشمل جميع الفئات، وتغطي حالات الوفاة أو العجز الكلي الدائم، وتسهّل على كبار المواطنين والمتقاعدين النفاذ إلى حلول تمويلية مرنة، بتكلفة منخفضة، ومخاطر محدودة.
ومن الناحية الاجتماعية، تسهم المبادرة بشكل مباشر في تحسين جودة حياة كبار المواطنين، من خلال تهيئة بيئة معيشية مستقرة، تحررهم من الأعباء المالية المحتملة، التي قد تُثقل كاهلهم في هذه المرحلة من العمر، كما أنها تعزّز مكانتهم في المجتمع، وتكرّس احتراماً مستحقاً لدورهم في حماية الذاكرة الوطنية وحمل القيم المجتمعية الأصيلة.
أما اقتصادياً، فإن فتح الباب أمام كبار المواطنين للاستفادة من التمويل السكني يعزّز من الحراك الداخلي في القطاع العقاري، ويزيد من الطلب على المساكن المملوكة، ويسهم في تحريك قطاعات الإنشاء والخدمات والتأمين. كما يوفّر حلولاً طويلة الأمد للتحديات الإسكانية لدى الفئات ذات الدخل الثابت، ويقلّل من نسب الاعتماد على المسكن المؤجر، خاصةً في الفئات ذات الدخل الثابت كالمتقاعدين.
ومما لا شك فيه أن هذه المبادرة تُجسّد التزام دولة الإمارات برؤية تنموية شاملة لا تُقصي أحداً، وتتّسق مع أهداف التنمية المستدامة، لا سيما تلك المتعلقة بالمدن والمجتمعات المستدامة، والحد من أوجه عدم المساواة، وتحقيق الرفاه الاجتماعي، وهي مبادرة تراعي التوازن بين الإنسان والمكان، وبين ما قدّمه المواطن بالأمس وما تستحقه حياته اليوم من كرامة وطمأنينة.
إن مبادرة الإسكان الموجّهة لكبار المواطنين هي تعبير عملي عن رؤية إنسانية شاملة، ورسالة اجتماعية متكاملة، تعبّر عن وفاء دولة الإمارات لمن أسهموا في نهضتها، وتؤكد أن السكن حق أصيل لا يُقاس بالقدرة الإنتاجية، وأن التنمية الحقيقية تبدأ من رعاية الإنسان. وما يجعل هذه المبادرة ذات أثر بعيد المدى هو أنها خطوة على الطريق نحو مزيد من السياسات الاجتماعية المتقدمة التي تحترم الإنسان، وتُعيد تعريف مفاهيم الدعم والرعاية في إطار من الكرامة والعدالة والتكافل، دون تمييز أو استثناء.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.