مدارس الإعلام الحديث لها توجهاتٌ وسياساتٌ عتّقتها التجربة الإنسانية وتعددت نماذجها غرباً وشرقاً، بين النازية والشيوعية والقومية من جهةٍ وبين الليبرالية الغربية والرأسمالية من جهةٍ أخرى، وهي كانت تدار بالسياسة الواعية بالرؤية السياسية أكثر مما تدار بالنظريات الجامعية والأكاديميات الصحفية. في ألمانيا كانت وزارة الإعلام تسمى «وزارة الدعاية الألمانية» ويقودها وزير أصبح مشهوراً في التاريخ «جوزيف جلوبز» و اعتمد حينذاك على «المنشورات» و«الإذاعة» و«مكبرات الصوت» وكل ما يمكن استخدامه لنشر الأكاذيب والأباطيل وحشد الناس والجموع خلف الغاية السياسية المطلوبة للنازية.
وتبع الطريقة ذاتها في التعامل مع الإعلام وتوظيفه إعلام «اليسار» في الاتحاد السوفييتي في وقتها بحيث أصبح دور الإعلام هو الإشادة المطلقة بالقائد المظفر «ستالين» أو بالعرق الآري والقومية في «النازية» أو بالأيديولوجيا «اليسارية» في الاتحاد السوفييتي.
وبالمقابل كان الإعلام الغربي- الذي انتصر في النهاية- يتعامل بواقعية وحريةٍ في الصحف ووسائل الإعلام، ويتعامل بحريةٍ أكبر بكثيرٍ في مساحات الرأي التي تعرض وجهات نظرٍ مختلفةٍ لكتّابها وربما كانت متباينةً في دول مستقرةٍ وآمنةٍ، لا تخشى من آراء الأفراد بل تراها كنزاً يساعدها حين تتباين الأفكار في القرارات المهمة بحيث تفتح آفاقاً جديدةً وتمنح تصورات أوضح لاتخاذ القرار، وليس غريباً انتصار النموذج الغربي وهزيمة النموذجين النازي والشيوعي.
حين انتقل الصراع الدولي لمنطقة الشرق الأوسط حدثت حقبة سيئة الذكر في التاريخ العربي، فقد تراجعت الصحافة وتأثيرها، وتراجع أكثر الرأي وكتّابه والثقافة وقادتها، في دول طالتها انقلابات العسكر من يسارٍ وقوميةٍ وبعثيةٍ، وأصبح المضللون هم قادة الإعلام، كما في الجمهوريات القومية و«البعثية» آنذاك، والتي قضت بشكل ممنهجٍ على الريادة الفكرية والثقافية لدولها وشعوبها ورموزها.
بقيت وسائل الإعلام في الدول الملكية تتمتع بحريةٍ، هي أفضل بكثيرٍ من وزارات الإعلام بالجمهوريات العربية التي كانت تؤثر جهاراً نهاراً على الجماهير وتغيّب المعلومة وتغتال الوعي، وتمنع أي مساحةٍ للرأي المخالف، وخرج لنا نماذج معروفة من أحمد سعيد بعد هزيمة 1967 النكراء إلى حرب الخليج الثانية وسقوط نظام «البعث» في العراق، وبينهما نماذج لا تعد من نفس الشاكلة. حين يسعى المراقب لرصد السياسات الإعلامية في الملكيات العربية يجدها أقرب إلى النموذج الغربي، وإن بخصوصيةٍ ثقافيةٍ ورقابةٍ ذاتيةٍ وحريةٍ مهمةٍ، والتاريخ خير شاهدٍ حيث كانت وسائل الإعلام والصحف تتمتع بحريةٍ مهمةٍ وتتمتع أكثر بفرد مساحاتٍ للآراء التي يكتبها خبراء أو متخصصون أو حتى عامة الناس، والأراشيف معروفة ومتاحة في هذا الجانب.
اليوم باتت بعض وسائل الإعلام والصحف أضيق عطناً، وهي تتخلى عن إرثها الملكي في حرية الصحافة وتتوجه بقوةٍ نحو النموذجين «النازي» و«الشيوعي»، وهي بالتحالف مع «وسائل التواصل الاجتماعي» باتت لا تستطيع التفريق بين «صانع المحتوى» أو «المؤثر» في السوشيال ميديا وبين «صنّاع الرأي» و«روّاد الثقافة» و«قادة الوعي» الذين امتازوا عن غيرهم على مدى عقودٍ من الزمان بتقديم الرأي الموالي والحصيف، وكذلك المستنير المعارض للشعبوية، وذلك باتجاه الحفاظ على العقلانية والواقعية. أخيراً، فمعلومٌ في كل وسائل الإعلام عالمياً أن «كاتب الرأي» إنما يعبر عن رأيه الشخصي، لا عن رأي الصحيفة، ولا عن سياسات الدولة، ولو كان العكس صحيحاً لربما اعتبر الكاتب الرياضي معبراً عن سياسة الدولة في الحرب والسلم العالميين.
*كاتب سعودي