منذ أن تسلّمت الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة نواف سلام مهامها، والبلد يترنح بين معادلتين متناقضتين: دولة تُحاول النهوض من تحت الركام، وتنظيم مسلح يرفض الانصهار في المؤسسات الوطنية. الجديد هذه المرة أن الضغط لم يعد داخلياً فحسب، بل جاء من الخارج أيضاً، عبر ورقة أميركية واضحة، تحمل توقيتاً وجدولاً، وتنصّ صراحة على نزع سلاح «حزب الله» مقابل انسحاب إسرائيلي شامل، وضمانات اقتصادية وسياسية.
لبنان أمام اختبار غير مسبوق. ليس لأن الورقة الأميركية مفاجئة، بل لأن الردّ اللبناني عليها لم يكن تهرّباً أو مماطلة كما في السابق، بل جاء رسمياً، واضحاً، يضع خطاً فاصلاً بين الدولة والمقاومة المسلحة. ولأول مرة منذ عام 2005، تسجّل الرئاسات الثلاث، وبعض مكوّنات الطيف الطائفي، شبه توافق ضمني على أن زمن «السلاح خارج الدولة» لم يعد قابلاً للاستمرار، لا سياسياً ولا اقتصادياً ولا إقليمياً.

«حزب الله» بدوره لم يتأخر في الرد. نفي قاطع، ورفض لأي تسليم للسلاح، لكن المثير أن الرفض لم يُرافقه تهديد أو تصعيد مباشر، بل برز خطاب موازٍ أكثر هدوءاً في الشكل، لكنه ثابت في المضمون: السلاح خط أحمر. في المقابل، تشير بعض المؤشرات إلى أن الحزب بدأ بإعادة التموضع، وتخزين السلاح الثقيل، ونقل بعض الملفات إلى عمق البقاع والجنوب، وكأنه يستعدّ لمرحلة «التكيّف الهادئ» مع المرحلة الجديدة دون تقديم تنازلات جوهرية.
الأميركيون يدركون تماماً أن معادلة القوة على الأرض لا تسمح بانقلاب مفاجئ. لذا فإن ورقتهم تعتمد على الخنق المالي، والتدرّج في فرض الشروط. وقد بدأت الحكومة اللبنانية بالفعل بتحجيم نشاطات الحزب الاقتصادية، وأبرزها وقف التعامل المصرفي مع مؤسسات تدور في فلكه. الرسالة واضحة: إما أن تندمج في الدولة، أو تُقصى عنها تدريجياً… دون حرب.
المعادلة الجديدة لا تعتمد على القوة العسكرية، بل على شرعية الدولة، وغضب الناس، وضيق الخيارات. فمن جهة، البيئة المسيحية والسُنية بدأت ترفع الصوت بضرورة استعادة السيادة. ومن جهة أخرى، حتى البيئة الشيعية بدأت تشعر بأن الصراع المفتوح ليس لصالح أحد. فلا الجنوب يريد حرباً، ولا الضاحية تحتمل حصاراً، ولا البقاع قادر على الوقوف في وجه الانهيار الاقتصادي أكثر.
الرهان الأكبر اليوم ليس على مواقف الداخل وحدها، بل على المدى الذي سيبلغه الموقف الإيراني. فهل تضحي طهران بلبنان كورقة تفاوضية لتحسين شروطها في الملف النووي؟ أم تمضي بالتصعيد حتى النهاية؟ وهل تمتلك بيروت ترف الوقت للانتظار؟ أم أن الانفجار الاجتماعي قد يسبق الحسم السياسي؟
لبنان لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى قرار. قرار بأن السلاح لا يصنع دولة، وأن الهيمنة لا تساوي سيادة. قرار بأن الكرامة لا تتحقق بشعارات، بل بمؤسسات، وأن المقاومة الحقيقية تبدأ من الداخل، من محاربة الفساد، وردم الهوة بين المواطن والدولة، وإعادة الاعتبار للجيش والقانون والدستور.

الورقة الأميركية قد لا تكون مثالية، لكنها لحظة اختبار. إما أن نغتنم الفرصة لصياغة عهد جديد، أو نفقد البوصلة نهائياً في دوامة الفوضى. السلاح ليس قدراً، والانقسام ليس مصيراً.

*لواء ركن طيار متقاعد.