يبدو أن الأمل لم ينعدم بعدما شهدناه في منطقة أوكيفينوكي. فعندما اشترت شركة «توين باينز»، وهي شركة تعدين مقرها ولاية ألاباما الأميركية، قطعة أرض كبيرة مجاورة لمحمية أوكيفينوكي الوطنية للحياة البرية في جنوب شرق ولاية جورجيا، وأعلنت عن خططها لبناء منجم لاستخراج ثاني أكسيد التيتانيوم هناك، أطلق نشطاء البيئة وممارسو التجديف وصيادو السمك ناقوس الخطر.
فالمنجم المقترح يقع فوق تكوين جيولوجي يُعرف باسم «ترايل ريدج»، والذي يعمل كنوع من السد الترابي الطبيعي يحافظ على استقرار مياه أكبر مستنقع بيئي متكامل للمياه السوداء في أميركا الشمالية. وتمتد منطقة أوكيفينوكي الشاسعة على مسافة مئات الأميال، لكنها ضحلة، إذ لا يتجاوز عمقها في كثير من المواضع قدمين فحسب، كما أنها لا تتغذى من أي مجار مائية.
فالمطر هو المصدر الوحيد لتغذيته. ووصف بيل ساب، المحامي البارز في مركز القانون البيئي الجنوبي، خبر إنشاء منجم مقترح على أعتاب نهر أوكيفينوكي بأنه «بمثابة ضربة قوية... حتى التغيرات الطفيفة في منسوب المياه يمكن أن تُحدث تأثيراً هائلاً»، إذ إن إنشاء منجم على تريل ريدج يشكل خطراً وجودياً على نظام بيئي مُهدد بالفعل بتغير المناخ والتلوث وتفسير الجمهوريين المُتقلب لقوانين حماية البيئة.
ولطالما كانت النظم البيئية للأراضي الرطبة مُعقدة، لكن ضخامة حجم نهر أوكيفينوكي يزيدها تعقيداً، إذ تشمل موائله العديدة المستنقعات والغابات المرتفعة والبراري وشبكة متعرجة من الممرات المائية. كما يحتضن أكثر من 600 نوع من النباتات، إضافة إلى عشرات الأنواع من الثدييات والزواحف والبرمائيات، و234 نوعاً مُذهلاً من الطيور. ويعتبر مكاناً نابضاً بالحياة، أقرب ما يكون إلى النقاء والجمال البدائي للطبيعة في القرن الـ21.
ويُعد هذا المكان بالغ الأهمية أيضاً للبشر الذين يعيشون بالقرب منه. فهو يستقطب مئات الآلاف من الزوار سنوياً، ويدعم مئات الوظائف، ويساهم بنحو 65 مليون دولار في الاقتصاد المحلي. ومنذ عام 2019، كانت معركة إنقاذ أوكيفينوكي شرسة لا هوادة فيها. و
عاد ممثلون عن «أمة موسكوغي»، وهم السكان الأصليون الذين أُجبروا على مغادرة المنطقة خلال القرن الـ 19، من أوكلاهوما للدفاع عن وطنهم الأصلي. ورشحت إدارة بايدن أوكيفينوكي للنظر في إدراجها على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وفي حال الموافقة عليها، ستنضم إلى غراند كانيون وجزر غالاباغوس، من بين مواقع أخرى، كموقع ذي أهمية عالمية.
وإذا جمعنا أعضاء جميع المنظمات البيئية التي تُشكل «تحالف حماية أوكيفينوكي»، نجد أن هناك أكثر من خمسة ملايين شخص منخرطون رسمياً في هذه المعركة لإنقاذ المستنقع. لكن هذه المعركة تحديداً قد انتهت الآن، ففي الشهر الماضي، أعلنت «صندوق الحفاظ على البيئة»، منظمة غير ربحية تشتري الأراضي المعرضة للخطر لحماية النظم البيئية الهشة، أنها اشترت ما يقرب من 8000 فدان قرب مستنقع أوكيفينوكي، إضافة إلى حقوق التعدين المرتبطة بها، من شركة «توين باينز». وأصبح موقع المنجم محمياً إلى الأبد.
وبالمعنى الدقيق، لم يُنقذه جميع الحاضرين في الاجتماعات العامة، أو أكثر من 100 ألف تعليق على الموقع الإلكتروني، أو حملات كتابة الرسائل، أو وقفات الصلاة، أو الاتصالات الموجهة إلى سياسيي جورجيا. ولم تنقذه الدعاوى القضائية أو التعاون الحزبي في المجلس التشريعي للولاية. ولم يُنقذه حتى الدعم الساحق من سكان جورجيا لحماية المستنقع، أو مئات الآلاف من الزوار الذين يأتون لتجربة جماله الآسر كل عام. وبالتأكيد لم تُنقذها الوكالات الفيدرالية والولائية المُكلفة بحماية البيئة. ومن وجهة نظر معينة، يمكن القول إن من أنقذ أوكيفينوكي هو المال، ببساطة ووضوح. ولم يكن حتى مبلغاً كبيراً من المال، فقد دفع «صندوق الحفاظ على البيئة» ما يقل قليلاً عن 60 مليون دولار مقابل أرض «توين باينز» وحقوقها المعدنية.
وقد لا نصدق مدى الضرر الذي قاربنا على إلحاقه بنظام بيئي ضخم وقديم مثل أوكيفينوكي مقابل ثمن يعادل قصراً واحداً في بالم بيتش. وكيف يُمكن تحديد سعر لنظام بيئي لا يُعوض، ناهيك عن سعرٍ زهيدٍ كهذا؟ هل تتوقف حماية النظم البيئية، لأنفسنا وللأنواع الأخرى العديدة التي تدعمها، على قدرة دعاة حماية البيئة على جمع ما يكفي من المال لشرائها مباشرة؟
هل مستقبل الأراضي العامة، التي تُحبها وتدعمها غالبية ساحقة من الأميركيين، محفوف بالمخاطر إلى هذه الدرجة؟ الإجابة المختصرة هي نعم. من الممكن أن نفقد بعضاً من أعظم كنوزنا الطبيعية إلى الأبد بسبب خلل نرجو أن يكون مؤقت في المشهد السياسي. وقد نفقد الغابات والمراعي والأراضي الرطبة والصحاري، وقد نفقد الحماية الصحية التي نتمتع بها من نفس الإجراءات التي تحميها، قبل أن تصبح هذه الإدارة المتهالكة مجرد حبر على ورق.
لكن الإجابة الحقيقية أكثر تعقيداً وإلهاماً. ففي مجال الحفاظ على البيئة، لا شيء يعتمد على المال وحده. فقد قال «صندوق الحفاظ على الطبيعة»: «لقد أمكننا تنفيذ هذا الشراء بفضل الدعم الهائل الذي قدمته مؤسسة «هولد فاست كولكتيف»، ومؤسسة «كوكس»، وغيرهما الكثير، في قائمة طويلة من منظمات الحفاظ على البيئة على مستوى الولايات، التي «ساعدت في حشد مئات الآلاف من الأصوات المؤيدة لحماية المستنقع». ولإنقاذ أوكيفينوكي، كان على هذا التحالف أن يجد طريقة لجعل بقية سكان الولاية، بل وسكان البلاد، يهتمون بمستنقع في الركن الجنوبي الشرقي من ولاية جورجيا، وجلب الاهتمام لما كنا على وشك خسارته، وإلهام الجهات المانحة التي جعلت الاستحواذ على أرض «توين باينز» ممكناً.
أشك في وجود ما يكفي من المال في جميع المنظمات غير الربحية المعنية بالحفاظ على البيئة لإنقاذ كافة الأراضي العامة المحمية حالياً والمهددة من قبل إدارة ترامب، ناهيك عن جميع الأراضي الخاصة في المناطق العازلة المحيطة بها. غير أن ما حدث مع أوكيفينوكي، ومع محاولات بيع أراض عامة في الغرب الأميركي، يجعلني أعتقد أن الخسارة لم تحدث بعد، نتيجة ارتفاع أصواتنا بشدة لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها أراضينا العامة، وإرغام المسؤولين المنتخبين والمؤسسات والمتبرعين على الاعتراف بحبنا لهذه الأماكن.
في الوقت الحالي، أوكيفينوكي آمنة، لكنها لا تزال عرضة للخطر، حيث وصف جوش ماركس، رئيس منظمة «جورجيون من أجل أوكيفينوكي»، شراء صندوق الحفاظ على البيئة بأنه «انتصار هائل» لمناصري أوكيفينوكي. لكن التهديد لم ينتهِ بعد، ولا يزال من الممكن استكشاف أراضٍ أخرى مملوكة للقطاع الخاص تحيط بالمستنقع بحثاً عن فرص التعدين، ولم يفعل سياسيو جورجيا شيئاً لمنع ذلك. إلا أن دعاة الحفاظ على البيئة في جورجيا يتابعون الأمر. وقد اختتم تحالف حماية أوكيفينوكي إعلانه عن شراء صندوق الحفاظ على البيئة بالقول: «الخطوة التالية هي حماية منطقة تريل ريدج بأكملها».
*كاتبة أميركية متخصصة في قضايا البيئة.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»