للوهلة الأولى، يبدو الهجوم الشامل للرئيس الأميركي دونالد ترامب على التجارة العالمية بلا معنى. فقد كانت الولايات المتحدة المهندس الرئيسي للنظام التجاري الليبرالي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية، وهو النظام الذي أدى في نهاية المطاف إلى ظهور الاقتصاد العالمي المعولم. وقد استفادت الولايات المتحدة بشكل كبير من هذا النظام الذي ضمن هيمنتها الاقتصادية على مدى 75 عاماً. لكن عداء ترامب للتجارة العالمية ليس حالة غريبة.
فلطالما أبدى الأميركيون مواقف متذبذبة تجاه التجارة، بين التأييد والرفض، مدفوعة بخوف عميق من تراجع أميركا. ورغم أن هذا الخوف لم يكن مبرراً في معظم الأحيان، فإنه لا يزال قائماً، ويغذي الدعوات لفرض حواجز تحمي البلاد من «العدو الخارجي».
ظهر هذا السرد في الثمانينيات، مدفوعاً بالخوف الأميركي من اليابان. فقد أدت الفوائض التجارية المتزايدة لليابان مع الولايات المتحدة، وازدياد حصتها في الأسواق العالمية في صناعات مثل السيارات والإلكترونيات، إلى موجات من السياسات الحمائية استهدفت القوة الآسيوية الصاعدة. وقد صاغ ترامب – الذي كان حينها مطور عقارات – آراءه بشأن التجارة في تلك الفترة.
فقد انزعج من قيام مستثمرين يابانيين بشراء رموز أميركية بارزة، مثل ملعب «بيبل بيتش» ومركز «روكفلر»، ما جعله يتبنّى سردية مفادها أن الأميركيين «سُذّج»، يُساء استغلالهم من قبل عالم جشع. اليوم، نعلم أن ذلك الذعر كان في غير محله. فقد دخلت اليابان في ركود اقتصادي طويل منذ التسعينيات، مما بدّد المخاوف من هيمنتها الاقتصادية. لكن مع تراجع شبح اليابان المفترسة، ظهر تهديد جديد من الشرق: الصين.
في أوائل التسعينيات، قال أستاذ العلوم السياسية «تشالمرز جونسون»، إن اليابان «هي الدولة الوحيدة التي تملك نفوذاً حقيقياً على الولايات المتحدة». لكنه اعترف لاحقاً في مطلع الألفية بأنه «ربما بالغ في تصوير التهديد الياباني»، وأضاف: «لكن الصين شيء مختلف تماماً». لقد طغى تهديد الفائض التجاري الصيني الكبير مع الولايات المتحدة على السياسات الاقتصادية الأميركية منذ عهد الرئيس جورج دبليو بوش في أوائل القرن 21. لكن الأمر استغرق عقداً آخر حتى يضع ترامب الصين في مرمى سياساته مباشرة، مستغلاً شعور الأميركيين بالخطر لبناء رواية مفادها أن أي دولة لديها فائض تجاري مع أميركا هي عدو.
ومثل رواية «الهيمنة اليابانية»، نمت رواية «الموت على يد الصين» من مقدمات تبدو منطقية. فقد ازدهرت واردات السلع الصينية بعد عام 1990، وخسرت الولايات المتحدة حوالي 6 ملايين وظيفة في قطاع التصنيع خلال العقدين التاليين. وقد أظهرت أبحاث دقيقة أن المجتمعات التي كانت صناعاتها تتنافس مباشرة مع الواردات الصينية فقدت العديد من الوظائف، ودخلت في دوامة اقتصادية. وفي الواقع، شكّلت هذه المجتمعات التي تأثرت بصدمة الصين القاعدة الأساسية لحركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً (ماجا)» التي أسهم استياؤها من النظام الاقتصادي الليبرالي في وصول ترامب إلى السلطة.
ولا شك أن صعود الصين يطرح تحديات حقيقية جديدة أمام السياسات الأميركية. لكن الفهم الشعبي لـ «صدمة الصين» يقود الولايات المتحدة إلى مسار محبط. فباختصار، استُخدمت الأدلة على أن الواردات الصينية تسببت بأضرار حقيقية في بعض المجتمعات لتبرير بناء جدار حول الاقتصاد الأميركي بأكمله – وهو الرد الخاطئ تماماً. كما منحت الصدمة الصينية الاقتصاد الأميركي دفعة قوية. ربما تسببت الواردات في تقليص الوظائف في المجتمعات التي تنافس صناعاتها الصناعات الصينية بشكل مباشر.
ولكن على مستوى الاقتصاد، حققت المدخلات الصينية الرخيصة مكاسب غير متوقعة للمصنعين المبتكرين، وعززت القدرة التنافسية للشركات الأميركية الأخرى. وقد يسّر صعود الصين كمركز صناعي الحفاظ على انخفاض الأسعار في السوق الأميركية – وهو مكسب ليس بالهين. كما دفع الاقتصاد الأميركي نحو مجالات ذات قيمة مضافة أكبر، كالابتكار وتصميم الأنظمة والتقنيات الجديدة، وهي مجالات أوجدت وظائف ذات رواتب مرتفعة في مجالات البحث والتطوير والتصميم. وفي النهاية، تُظهر الأبحاث أن الصين خلقت فرص عمل أكثر مما أزالتها.
ورغم أن المعاناة في بعض المجتمعات تستحق الاهتمام، فإن الأبحاث تشير أيضاً إلى استجابة فعالة تتمثل في الاستثمار في التعليم. فقد تعافت المجتمعات التي تمتلك رأسمالاً بشرياً مرتفعاً بسرعة من صدمات فقدان الصناعات. وفي الاقتصادات الصناعية حول العالم، استعادت المدن التي تضم نسبة كبيرة من خريجي الجامعات عافيتها بعد صدمات التصنيع، عبر جذب الاستثمارات إلى صناعات جديدة مثل الرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات.
إن فشل الولايات المتحدة في حماية المجتمعات الضعيفة من سلبيات هذا التحول لا تتحمّله الصين. أما الحواجز التجارية التي فُرضت رداً على هذا الواقع – بدءاً من عهد ترامب الأول، مروراً برئاسة جو بايدن – فهي تزيد من معاناة أميركا. الاقتصاديون الذين درسوا صدمة الصين الأولى يحذرون الآن من صدمة جديدة: الصين تتفوق على الولايات المتحدة في الصناعات عالية التقنية الحيوية للأمن القومي والازدهار المستقبلي. وكما كان الحال سابقاً، فإن الحمائية ليست الحل.
ويقترح هؤلاء أن على الولايات المتحدة ألا تُثقل كاهل حلفائها بالرسوم الجمركية، وأن تضع استراتيجية استثمار طويلة الأجل لرعاية الشركات في الصناعات الحيوية الجديدة – لا أن تقوض جهود الإدارات السابقة. ويجب حتى أن تدعو الشركات الصينية للاستثمار في قطاعات ناشئة، مثل البطاريات والمركبات الكهربائية. والأهم من ذلك، ينبغي عليها تحسين شبكة الأمان الاجتماعي لحماية العمال المتضررين ومجتمعاتهم. ربما تكون هناك حاجة إلى فرض بعض الرسوم الجمركية لحماية صناعات محددة تمس الأمن القومي. لكن بناء جدار دفاعي حول البلاد يعزلها عن السلع ورؤوس الأموال والبشر والأفكار والابتكار، هو طريق نحو البؤس الحقيقي – طريق قد يقود فعلاً إلى تراجع أميركي حقيقي.
إدواردو بورتر *
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»