أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في 25 يوليو الجاري، انسحابَ وفديهما من المفاوضات، متهمين حركة «حماس» بعرقلة التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في قطاع غزة. وقال ترامب وفي تصريحه: «هم لا يريدون السلام، بل الموت، وإسرائيل ستكمل المهمة».
وألقى هذا التصعيد بظلاله على إمكانية الوصول إلى نهاية للحرب تكفل وضعَ نهاية للمأساة الإنسانية والأخلاقية، وأثار مخاوفَ من الانحدار أكثر في الحرب والمجازر والجرائم التي لم تعد مقبولةً قانونياً ولا أخلاقياً من قبل المجتمع الدولي. وفي محاولة لتدارك هذا الانحدار، أعلن الوسطاء العرب أن الرد الفلسطيني ما زال قيدَ الدراسة من الجانب الإسرائيلي، في محاولة لجعل الباب موارباً لاستئناف المفاوضات، رغم تعثرها الحالي.
لقد رافقتْ المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية كل فصول الحرب بقطاع غزة، حيث سادها الانقسام وانعدام الثقة المتبادل بين الطرفين، وجولات التفاوض لم تنقطع منذ اندلاع الحرب. ومع تعثر الحل العسكري، ازداد تمسك مختلف الأطراف بالحلول الدبلوماسية، وتكررت بناءً عليها جولات التفاوض بحثاً عن اتفاق يُنهي الحرب التي تقودها إسرائيل ضد الفلسطينيين، أو على الأقل يخفف من وطأتها ومأساتها الإنسانية على المدنيين.
إلا أن الجولة الأخيرة من هذه المفاوضات، والتي جرت خلال شهري يونيو ويوليو 2025، أظهرت هشاشة المسار الدبلوماسي، وأبرزت عمقَ الهوة بين الطرفين، وانحياز بعض أطراف الوساطة وعدم رغبتها في وضع نهاية للحرب توقف الانحدار الأخلاقي والقيمي الذي لم يعد مقبولاً، وتحفظ للنظام الدولي بعضاً مما يمثله على صعيد حفظ الأمن والسلم الدولي وحماية حقوق الإنسان.
المفوضات الأخيرة التي أعلن فشلها الأسبوع الماضي، تضمنت بحسب ما أُعلن عنه، مقترحاً أخيراً قدمه أطراف الوساطة الثلاثة لكلا الطرفين، تضمن هدنةً عسكرية وإنسانية مؤقتة مدتها 60 يوماً، تتخللها عمليات تبادل للأسرى والمحتجزين من كلا الجانبين، مع تمرير وإدخال المساعدات الإنسانية الطارئة فوراً إلى قطاع غزة، والبدء في إجراء مفاوضات مباشرة خاصة بتحقيق وقف دائم وشامل لإطلاق النار بقطاع غزة.
إلا أن هذا المقترح لم يستطع أن يكفل كسابقيه وضعَ نهاية للحرب، بسبب التعنت الإسرائيلي، والدعم الأميركي والغربي، رغم المرونة التي أُجبر عليها الطرف الفلسطيني في ظل الأزمة التي تسبب بها لسكان القطاع.
أبرز نقاط الخلاف التي فجّرت المفاوضات الأخيرة وقضت على فرص نجاحها، هو رفض الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو الانسحابَ الكامل من قطاع غزة أو تقديم ضمانات بهذا الشأن، لاسيما فيما يتعلق بممر فيلادلفيا الحدودي مع مصر، الذي تعتبره منطقةً استراتيجية لمنع تهريب الأسلحة لـ«حماس»، وتصر على الاحتفاظ بحق استئناف العمليات العسكرية متى كان ذلك ضرورياً لها.
وفي المقابل، ربطت «حماس» موافقتَها على أي هدنة أو اتفاق سلام، بوجود ضمانات دولية لتحقيق وقف شامل ودائم للحرب، وانسحاب القوات الإسرائيلية من كامل قطاع غزة، والإفراج عن عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين، مؤكدةً على أن أي اتفاق مؤقت أو هدنة عسكرية وإنسانية، دون أفق سياسي وحل عادل، سيكون مجرد استراحة لإسرائيل لإعادة تموضعها وتنفيذ أهدافها.
وإزاء ذلك المشهد المعتم، تتعرض الحكومة الإسرائيلية لضغوط متزايدة من عائلات الرهائن التي تطالب بالمضي في إبرام الصفقة، ومن اليمين المتطرف الذي يطالب باستمرار العمليات العسكرية وإعادة السيطرة على كامل القطاع. وفي غزة، تزيد مأساةُ الوضع الإنساني من تعقيد المشهد، وتفرض واقعاً صعباً على طاولة التفاوض، في ظل حجم المجازر المرتكبة، وحرب التجويع التي تمارس على كامل سكان القطاع.
*كاتبة إماراتية