عندما نسمع كلمة «مدينة»، فإننا نستحضر صورةً لمكان يحمل طابعاً خاصاً وهدفاً محدداً، فهناك مدن تشتهر بعراقتها، وأخرى بتخصّصها بالتجارة، أو التعليم، أو الإعلام، أو الصحة. وفي دولة الإمارات برزت نماذج ناجحة من هذا النوع، مثل المدينة الأكاديمية، والمدينة الطبية، ومدينة الإعلام، ومدينة الإنترنت.
واليوم تتجه الأنظار نحو مفهوم جديد وطموح: مدينة البحث والتطوير. وهذا المفهوم لا يعدُّ بعيداً عن الواقع، بل يُمثل تطوراً طبيعياً يتماشى مع توجهات الدولة إلى بناء اقتصاد معرفي متين ومستدام، فهو يعيد صياغة النظرة إلى البحث العلمي، ليصبح أداةً للتنمية الاقتصادية والاستثمار المستقبلي، بل عنصراً جاذباً للسياحة العلمية والمعرفية. وفي السياق العالمي اعتمدت العديد من الجامعات الكبرى نموذج «الحدائق البحثية»، وهي مساحات متخصّصة لتعزيز التعاون بين الأكاديميين والصناعيين لتطوير الابتكارات، وتحويلها إلى منتجات وخدمات قابلة للتسويق.
غير أن «مدينة البحث والتطوير» تمثل نقلة نوعية، إذ تُقدِّم منظومة متكاملة تجمع بين البنية التحتية، والسياسات الداعمة، والحوافز الاستثمارية، لخلق بيئة حاضنة للابتكار، تسهِّل تسجيل براءات الاختراع، وتأسيس الشركات الناشئة. وتُعدُّ دبي نموذجاً لاحتضان هذا النوع من المدن، لما تملكه من رؤية استشرافية، وطموح عالمي، فقد بلغ مساهمة قطاع التعليم العالي في ناتجها المحلي أكثر من 5.6 مليار درهم، وتحتضن اليوم 37 فرعاً لجامعات دولية، وتسعى بوضوح إلى أن تصبح ضمن أفضل 10 مدن بالعالَم في استقطاب الطلبة والباحثين، ومركزاً للمؤسسات الأكاديمية والبحثية الرائدة.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن العوائد الاستثمارية لمدينة البحث والتطوير تتنوع ما بين العوائد المباشرة، مثل الدخل الناتج من تراخيص الملكية الفكرية، والاستثمار في الشركات الناشئة، والعوائد غير المباشرة، مثل جذب المواهب العالمية، وتعزيز موقع الدولة في مؤشرات الابتكار، وتوفير فرص عمل نوعية، وحتى تنشيط السياحة العلمية من خلال الفعاليات البحثية، والمؤتمرات المتخصّصة.
ولا شك أن قدرة دولة الإمارات على استقطاب مراكز البحوث العالمية، مثل مراكز الأكاديمية الصينية للعلوم، أو معاهد ماكس بلانك، تعزز من فرص نجاح هذا المشروع، وذلك بفضل ما توفره الدولة من تسهيلات لوجستية وخدمية، ونُظم قانونية مرنة، وسياسات جاذبة لحقوق الملكية والاستثمار في مخرجات البحث والتطوير. وعلى الصعيد المحلي، فإن إنشاء مثل هذه المدينة سيُحدث أثراً تنموياً عميقاً، إذ سيفتح آفاقاً واسعة لتأهيل الكوادر الوطنية وتوظيفها في مختلف مجالات العلوم والتقنية، ويُسهم في نقل المعرفة وتوطينها، من المراكز الدولية إلى أبناء الدولة، بما يدعم طموحات القيادة إلى تمكين الشباب الإماراتي لقيادة مرحلة التحول إلى اقتصاد قائم على الابتكار والإبداع.
وفي المحصلة، فإن مدينة البحث والتطوير ليست مجرد مشروع طموح، بل هي رؤية استراتيجية تهدف إلى تحويل دولة الإمارات إلى منارة عالمية للمعرفة. إنها استثمار في العقول، وسياحة في عوالم الابتكار، ونقطة انطلاق نحو مستقبل تُبنى فيه الاقتصادات على المعرفة، وتُقاس فيه القوة بتراكم الفكر، لا الموارد فقط.
أ.د. غانم كشواني*
*أمين سر جمعية الباحثين