تُجسِّد الأسرة الإمارتية ركيزة رئيسة في المشروع الوطني لدولة الإمارات العربية المتحدة، ومسؤولية وطنية مشتركة؛ كونها الحاضنة الأولى للهُوية، والمنطلَق الأصيل لبناء مجتمع متماسك ومستدام. وقد تميزت التجربة الإماراتية برؤية استراتيجية استشرافية، وضعت الأسرة في قلب السياسات التنموية؛ بصفتها نقطة التقاء للقيم، والأدوار الاجتماعية، والضمان الأساسي للتلاحم المجتمعي والاستقرار الاقتصادي على حدٍّ سواء.
وفي ضوء هذه الرؤية لم تكتفِ الدولة بتقديم خدمات جزئية، أو تدخلات ظرفية للأسرة؛ بل تبنت نهجاً مؤسساتياً متكاملاً يُعنى ببناء الأسرة منذ مرحلة التكوين؛ حتى مراحل النمو والرعاية المستمرة؛ وصولاً إلى التمكين. وقد تُوِّج هذا النهج مؤخراً بإعلان استحداث «وزارة الأسرة»، بتوجيهات ومباركة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة -حفظه الله-، وهي خطوة نوعية أعلن عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، خطوة تُعبِّر عن تحول عميق في بنية السياسات الاجتماعية الإماراتية.
وقد جاءت الوزارة الجديدة (وزارة الأسرة)؛ لتتولى وضع السياسات والاستراتيجيات والتشريعات المتعلقة بتكوين الأسر المستقرة ونموها؛ وتعزيز معدل الخصوبة؛ والتقليل من عوامل التفكك؛ وتطوير برامج دعم الزواج؛ ومنظومة توعية المقبلين على الزواج وتأهيلهم، مع التركيز على المهارات الوالدية، وتحقيق التوازن بين العمل والحياة الأسرية، وحماية أفراد الأسر من العنف والانتهاكات الاجتماعية. كما تُعنى الوزارة بملفات مهمة مثل الطفولة المبكرة، وتمكين أصحاب الهمم، ورعاية كبار المواطنين، والأيتام والفئات المجتمعية الأكثر هشاشة؛ بما يضمن تكافؤ الفرص، وصيانة الكرامة الإنسانية. ويتكامل هذا الدور مع «وزارة تمكين المجتمع»، التي أُوكِلت إليها مسؤولية إدارة منظومة الدعم الاجتماعي للأسر ذات الدخل المحدود، وتوفير فرص التمكين الاقتصادي، وتعزيز دور القطاع الثالث ومؤسسات النفع العام؛ بما يدفع باتجاه تحقيق الاستقرار المالي والاستقرار المعيشي للأسرة الإماراتية.
إن هذا التحول المؤسسي يُعبِّر عن نقلة نوعية في فلسفة دولة الإمارات تجاه الأسرة؛ من كونها موضوعاً للرعاية إلى عدها شريكاً في التنمية الشاملة، وفاعلاً أصيلاً في الحفاظ على النسيج الوطني؛ فالأسرة ليست وحدة اجتماعية فقط؛ بل نقطة التقاء بين الأمن المجتمعي، والتقدم التعليمي، والاستقرار الاقتصادي، والتماسك الثقافي، والتلاحم المجتمعي؛ ولذا فإن الخطط الحكومية الحالية تتجاوز المفهوم التقليدي للسياسات الأسرية نحو نماذج مبتكرة تعزز من جاهزية الأسر للتكيف مع المغيرات؛ وتؤهلها لأداء أدوارها التربوية والاجتماعية بكفاءة. وتنطلق هذه الاستراتيجية من إيمان راسخ بأن الأسرة الإماراتية هي المشروع الوطني الأكبر، وأن دعمها وتمكينها هما استثمار المستقبل؛ ومن هنا فإن دولة الإمارات لا تضع الأسرة فقط ضمن أولوياتها؛ بل تسعى إلى جعلها محوراً للسياسات العامة، ومصدراً للقوة الوطنية الناعمة.
وختاماً يمكننا القول إن تجربة دولة الإمارات في هذا الصدد تُعد نموذجاً يُحتذى به في العالم العربي؛ إذ استطاعت أن توفِّق بين الأصالة الاجتماعية التي تستمدُّها من تراثها القيمي، والحداثة المؤسسية التي تتطلبها تحديات الحاضر واستحقاقات المستقبل. وهكذا تمضي دولة الإمارات بُخطى واثقة نحو مجتمع أسري راسخ، يجد في القيادة دعماً، وفي السياسات سنداً، وفي المؤسسات رعاية وتمكيناً.
*أستاذ مساعد في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.