في 26 يوليو الماضي، نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية هذا العنوان: «إسرائيل في اليوم 659 من الحرب. مصادر طبية في غزة: مقتل ما لا يقل عن 25 شخصاً برصاص الجيش الإسرائيلي، بعضهم أثناء انتظارهم للمساعدات».

لأسابيع، تنشر «هآرتس» عنواناً مشابهاً تقريباً كل يوم - الشيء الوحيد الذي كان يتغير هو عدد الفلسطينيين الذين قُتلوا أثناء انتظارهم للمساعدات الغذائية التي توزعها إسرائيل في قطاع غزة. ألا تستطيع إسرائيل إيصال صناديق طعام بأمان إلى سكان غزة الجوعى؟لم يبدو ذلك وكأنه مجرد عجز، بل بدا وكأنه نتاج أمر أعمق وأكثر خزياً، يتكشف داخل حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المتطرفة. فشخصيات في ائتلاف نتنياهو اليميني المتطرف، مثل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، كانوا يدفعون علناً بسياسة تهدف إلى تجويع العديد من الفلسطينيين في غزة حتى يغادروا القطاع بالكامل.

كان نتنياهو يعلم أن الولايات المتحدة لن تسمح له بالذهاب إلى هذا الحد، لذا قدم الحد الأدنى فقط من المساعدات لتجنب الإطاحة به من قبل المتطرفين اليهود الذين جلبهم إلى حكومته.لكن هذا الحد الأدنى كان ضئيلاً للغاية، وبدأت صور مروعة لأطفال يعانون من سوء التغذية تظهر من غزة، مما دفع حتى الرئيس دونالد ترامب إلى القول يوم الاثنين الماضي بأن هناك «مجاعة حقيقية تحدث في غزة. لا يمكنكم تزييف ذلك. علينا إطعام الأطفال».

ما يجعل هذه الحرب مختلفة هو أنها تضع، في رأيي، أسوأ حكومة إسرائيلية وأكثرها تطرفاً في تاريخ إسرائيل، في مواجهة أسوأ تنظيم فلسطيني وأكثره تطرفاً.هذه أول حرب إسرائيلية فلسطينية يُمسك فيها أسوأ القادة من الجانبين بزمام القرار. أحزاب المعارضة الإسرائيلية المعتدلة، والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، لا تأثير لهما.

ولهذا لا أستطيع أن أخبرك كيف أو متى ستنتهي. لأن نتنياهو لا يزال يُصرّ على«النصر الكامل» على «حماس»، وهو أمر لن يحققه أبداً، وقيادة «حماس» لا تزال تصر على البقاء في غزة بعد الحرب، وهو أمر لا تستحقه.منذ أشهر، تعلم «حماس» جيداً بوجود أزمة غذاء وسكن حادة في غزة. ومنذ شهور، كانت «حماس» تعرف أنه إذا أطلقت سراح الرهائن الإسرائيليين، ووافقت على مغادرة قيادتها للقطاع، ودعت قوة حفظ سلام عربية بتفويض من السلطة الفلسطينية لتولي إدارة غزة بدلاً منها، فإن معاناة سكان القطاع كانت ستتوقف فوراً.

لكن «حماس» ترفض فعل ذلك. فهي لا تريد فقط البقاء في السلطة بعد وقف إطلاق النار، بل تريد أيضاً من الولايات المتحدة ضمان أمنها من أي هجمات إسرائيلية مستقبلية بعد إطلاق سراح الرهائن المتبقين. هذه منظمة تتحمل مسؤولية ضخمة عن معاناة غزة.لكن ما لا يدركه الكثيرون هو مدى سوء هذه الحكومة الإسرائيلية الحالية.

يحاول الكثير من المسؤولين والمشرعين واليهود الأميركيين إقناع أنفسهم بأن هذه مجرد حكومة إسرائيلية متطرفة أخرى، فقط أكثر تطرفاً قليلاً. خطأ.كما قلت في اليوم التالي لانتخاب هذه الحكومة، فإن هذه الحكومة الإسرائيلية مريعة بشكل فريد. لقد مكّنت أمثال وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي قال العام الماضي إن منع دخول المساعدات الإنسانية إلى غزة هو أمر «مبرر وأخلاقي»، حتى لو أدى إلى موت مليونَي مدني جوعاً، لكن المجتمع الدولي لن يسمح بذلك.

هذا الكلام يكشف جوهر ما فعله نتنياهو بإسرائيل. لقد جلب إلى الحكم أشخاصاً مثل سموتريتش، ممثلين عن تيار مظلم lتطرف كان موجوداً دائماً، لكن لم يُمنح يوماً السلطة التي يملكها اليوم.

لم يُسمح له من قبل بقيادة آلة الحرب الإسرائيلية المتطورة. وهذه هي مساهمة نتنياهو الفريدة: لقد منح السلطة إلى الأسوأ في إسرائيل، وفي الوقت نفسه سعى إلى تحريرهم من حكم القانون. قاد حملة لا تتوقف لنزع سلطات الجهات الرقابية الأخلاقية في إسرائيل، مثل رؤساء الشاباك والجيش. وهو يحاول الآن إقالة المستشارة القانونية المستقلة لإسرائيل، بعد عامين من الجهود لإضعاف المحكمة العليا - ليتمكن من فعل ما لم تفعله أي حكومة إسرائيلية من قبل: ضم الضفة الغربية رسمياً، وربما غزة أيضاً - وطرد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، من دون أي قيود قانونية. لم يفهم ترامب ومبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، ذلك أبداً. فهما يعتقدان أن الجميع سواء كان بوتين أو نتنياهو -يريد«السلام» أولاً، لا«قطعة» من أوكرانيا أو الضفة أو غزة. بهذه الطريقة، تمكّن  نتنياهو من خداع ترامب وويتكوف لفترة طويلة.ومثال على ذلك، في يناير، اتفقت إسرائيل و«حماس» على اتفاق وقف إطلاق نار من ثلاث مراحل يشمل تبادل رهائن وأسرى. لكن ترامب وويتكوف سمحا لنتنياهو بخرق الاتفاق من جانب واحد في مارس الماضي، قبل التفاوض على المرحلتين الأخيرتين.

وادعى نتنياهو أن «حماس» رفضت الإفراج عن مزيد من الرهائن قبل استئناف المفاوضات - رغم أن «حماس» لم تكن ملزمة بذلك ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة.وخلص تحليل لأمير تيبون في هآرتس، بعنوان: «كيف سهّل ترامب سياسة تجويع نتنياهو لغزة وفشل في استعادة الرهائن»، إلى أنه لم يكن هناك سبب عسكري لاستئناف الحرب، لأن «حماس» كقوة عسكرية كانت قد هُزمت.كل ما في الأمر كان لخدمة احتياجات نتنياهو السياسية. إذ أبلغ متطرفون أمثال سموتريتش نتنياهو بأنه يجب عليه استئناف الحرب أو سيتم إسقاطه، فخدع نتنياهو ترامب وويتكوف وجعلهما يصدّقان أنه يمكنه تحرير الرهائن عبر مزيد من القصف وتشديد المعاناة على المدنيين، وحصرهم في رقعة صغيرة من غزة.لكن كل ذلك كان خاطئا.

لم تُهزم «حماس»، وعندما اضطرت إسرائيل في نهاية المطاف إلى استئناف توزيع الطعام عبر «مؤسسة غزة الإنسانية»، حدثت فوضى يموت فيها كثيرون يوميا أثناء الازدحام على نقاط التوزيع. لاحظ تيبون أن «حماس»، بعدما رأت أن سياسة الحصار والتجويع التي يتبعها نتنياهو أصبحت كارثة إعلامية لإسرائيل، رفعت سقف مطالبها في مفاوضات الرهائن الجارية.

والخلاصة، حسب تيبون:«نتنياهو جرّ ترامب وويتكوف إلى تبني سياسة فاشلة أدت إلى مقتل آلاف المدنيين الفلسطينيين وخلقت كارثة إنسانية كاملة. عواقب هذا الفشل ستطارد إسرائيل لسنوات». وللأسف، ستطارد الفلسطينيين أيضاً. لأنني أخشى أن الحرب زادت من احتمال أن تخرج حماس منها دون أن تضطر للتخلي عن السلطة في غزة. إذا حدث ذلك، فقل وداعاً لحل الدولتين، ومرحباً بحرب دائمة.

*كاتب أميركي
ينشر بترتب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»