تحتاج الهند بشدة إلى اتفاق تجاري مع الرئيس دونالد ترامب، لأسباب اقتصادية واستراتيجية في آن واحد. فقد كانت الهند من أوائل الدول التي دخلت في مفاوضات تجارية مع إدارة ترامب. ورغم أنها اقتربت عدة مرات من التوصل إلى اتفاق مؤقت، لم يتم إحراز أي تقدم يذكر. بل إن الآمال في ذلك تضاءلت في الأسابيع الأخيرة، حيث فرض ترامب أولاً تعريفة جمركية بنسبة 25% على الهند، ثم هدد بإجراءات إضافية غير محددة، وبرسوم جمركية «أعلى بكثير» إذا لم تتوقف نيودلهي عن شراء النفط الروسي. فما هو المفتاح للخروج من هذه الدوامة؟
مع دخول التعريفات الجمركية المرتفعة حيز التنفيذ، مؤخراً، تستعد بعض الصناعات الهندية الأكثر اعتماداً على التصدير، مثل الأحجار الكريمة والمنسوجات والملابس وتكرير النفط الخام، لتلقي ضربة موجعة. كما أن قطاع الأدوية، وهو ركيزة أساسية في اقتصاد الصادرات الهندي، معرَّض للخطر هو أيضاً. لذا فقد تتسبب هذه الرسوم في تقليص نمو الاقتصاد الهندي بـ0.3 نقطة مئوية. والأسوأ من ذلك، أنها ستجعل الهند أقل جاذبية كمركز صناعي في منطقة باتت بعض دولها، مثل بنجلادش وباكستان وفيتنام، تحظى بشروط تجارية أفضل مع ترامب.
لم يُخفِ ترامب إحباطَه من حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي. ويعود ذلك إلى نهاية الضربات الجوية المتبادلة بين الهند وباكستان في مايو الماضي، وهي نهاية رحّب بها ترامب وأعلن أنها تحققت بفضله. لكن مودي شدد مراراً على أن قرار وقف إطلاق النار اتخذته الهند دون أي تأثير خارجي، دون أن يذكر ترامب. هذا التجاهل، إضافة إلى رفض الهند وقفَ مشترياتها من النفط الروسي رغم الضغوط الأميركية، ساهم في تشدد موقف ترامب. وعلى النقيض من ذلك، تبنّت باكستانُ دبلوماسيةَ الإطراء، حتى إنها رشّحت ترامب لجائزة نوبل للسلام.
وإذا كانت الهند تأمل في إبرام اتفاق تجاري فعليها أن تمنح ترامب «نصراً رمزياً» من نوع ما. لكن مودي عليه أن يتحرك داخلياً بحذر. ربما يمكنه إغلاق مصافي التكرير الهندية أمام النفط الروسي من دون تهديد الاقتصاد، لكن الاعتراف بدور ترامب في وقف إطلاق النار سيكون كارثياً. فالصورة القوية التي رسمها مودي لنفسه لا تسمح بإظهار التبعية أو الخضوع. وسيتعين عليه، باعتباره سياسياً بارعاً، إيجادَ صيغة ترضي الطرفين.
هناك امتيازات أخرى يمكن للهند أن تقدمها لترامب. فقد اتفقت الدولتان من حيث المبدأ على رفع حجم التبادل التجاري السنوي إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030، مقارنة بـ190 مليار دولار حالياً. ووعدت الهند بخفض الرسوم على معظم الواردات الأميركية، مقابل تعريفة جمركية بنسبة 15% على صادراتها إلى الولايات المتحدة، وهي نسبة تنافسية مقارنة بـ20% لفيتنام و19% لباكستان. كما وافقت الهند على زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي الأميركي للمساعدة في تقليص فائضها التجاري البالغ 45.7 مليار دولار مع الولايات المتحدة.
لكن ترامب، كما يقال، يضغط بشكل أساسي على ملف فتح السوق الزراعية في الهند، وهنا تصبح الحسابات السياسية الداخلية شديدة التعقيد. إذ يعتمد نحو 44% من القوى العاملة في الهند على الزراعة، ولا يزال مودي يعاني من تبعات احتجاجات المزارعين في الفترة بين عامي 2020 و2021، والتي أجبرت حكومتَه على التراجع عن إصلاحات زراعية رئيسية. وقالت «أبارنا باندي»، من معهد هدسون، إن مودي ربما يأمل في تأجيل أي تنازلات زراعية إلى ما بعد انتخابات ولاية بيهار في أكتوبر، وربما يحاول التمسك بموقفه في ملف الزراعة، مقابل تقديم تنازلات في مجالات أخرى.. بعض هذه الاحتمالات تشمل: تقديم عرض مغرٍ يتعلق بواردات الأدوية، وهي حجر الأساس في العلاقة التجارية بين الهند والولايات المتحدة، عبر خفض أو حتى إلغاء الرسوم الجمركية البالغة 10% على المنتجات الصيدلانية الأميركية. يمكن أيضاً للهند أن تتعهد بزيادة مشترياتها من الطاقة والمعدات الدفاعية الأميركية. وفي مجال الطاقة، يمكن للهند أن تلغي الرسوم الحالية البالغة 2.5% على واردات الغاز الطبيعي الأميركي المسال. مثل هذه الخطوة لن تعزز فقط صادرات الطاقة الأميركية، بل ستبرز أيضاً تبايناً واضحاً مع الصين، التي لا تزال تفرض رسوماً بنسبة 15% على الغاز الأميركي. كما أن فرص التعاون في المجال الدفاعي كثيرة؛ فبالرغم من التعاون الأمني طويل الأمد مع الولايات المتحدة، لم تقدّم الهندُ تعهداتٍ واضحةً بالشراء في هذه الجولة من المفاوضات. لكن خلال زيارة مودي لواشنطن في فبراير، أعلن عن خطط لشراء صواريخ «جافلين» المضادة للدبابات ومركبات «سترايكر» القتالية، إضافةً إلى إتمام صفقة طائرات الدوريات البحرية P-8I. لا شك في أن المضي قُدُماً في هذه الخطط والالتزام بمشتريات دفاعية جديدة سيُساعد في تهدئة ترامب.
لقد ثبت أن التعامل مع مطالب ترامب المتقلبة في التجارة يمثل تحدياً لمودي. وسيكون من الصعب، ولكن ليس مستحيلاً، تقديم ما يكفي من التنازلات دون إثارة استياء قاعدته الداخلية. ولطالما قال مودي للناخبين إنه لا أحد سواه يستطيع إدارة علاقات الهند مع القوى الكبرى. وقد حان وقتُ إثبات ذلك.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
*محررة في قسم المقالات والرأي بصحيفة «واشنطن بوست»