كان حكام الولايات «الديمقراطيون» يعتقدون في وقت ما أنه يمكنهم «تحصين» ولاياتهم ضد الرئيس دونالد ترامب، من خلال سن تغييرات قانونية كافية لتشكيل حصن منيع ضد النفوذ المتزايد للرئيس. لكنهم لم يعودوا يعتقدون أن ذلك ممكن. فعمق واتساع استسلام الكونجرس، إلى جانب سلطة قضائية غير راغبة في صدّ التوسّع المتنامي للسلطة التنفيذية، ترك الحكام بلا خيارات تقريباً. لا يوجد الكثير من السوابق في التاريخ الأميركي لهجوم استمر لأشهر يشنه رئيس على الولايات كما يحدث اليوم. فالشراكات طويلة الأمد بين الحكومة الفيدرالية والولايات، مثل برنامج «ميديكيد» الذي سبق أن تعهد ترامب بعدم المساس به، وبرنامج «سناب» للمساعدات الغذائية.. باتت في حالة من الانهيار بعد أن شهدت أعمق تخفيضات في تاريخها.

كما أن تقليص إدارته للتمويل المخصص للبحوث في مجالات الطاقة والصحة والعلوم، ترك الجامعات، والتي عادةً ما تكون من أكبر أرباب العمل في الولايات، في مأزق. وفي اجتماع رابطة حكام الولايات «الديمقراطيين»، الذي عُقد مؤخراً في ماديسون (ولاية ويسكونسن)، قال لي حاكم ولاية كنتاكي، آندي بشير، إن الحكام باتوا يدركون أن تأثيرات رسوم ترامب الجمركية ومشروع موازنته «كبيرة للغاية بحيث لا يمكن لأي ولاية أن تتحملها أو تحصن نفسَها ضدها». وأضاف: «لم يتوقع أحدٌ هذا المستوى من تراجع الكونجرس».

وقد لاقت سلسلةٌ من الدعاوى القضائية، رفعتها مدعياتُ ومدَّعو الولايات الزرقاء، نتائجَ متفاوتةً. وبالإضافة إلى تلك التحديات القانونية، حاولت ولايات مثل كاليفورنيا ونيويورك ومينيسوتا وويسكونسن إيجادَ حلول تشريعية، كما فعلت خلال فترة ترامب الأولى. لكن ترامب في فترته الرئاسية الثانية ليس كما كان في الأولى، كما أدرك حكام الولايات الزرقاء (الديمقراطية) بسرعة. هذه المرة، يستخدم ترامب الثقلَ الكاملَ للحكومة الفيدرالية لاستهداف الولايات في أكثر النقاط ضعفاً: ميزانياتها. أخبرني حاكم مينيسوتا، تيم والز، بأن أكثر من ثلث ميزانية الولاية، أي نحو 42 مليار دولار، يأتي من منح فيدرالية.

ومن المتوقع أن تخسر الولاية حوالي 3 مليارات دولار من تلك المنح خلال دورتين ماليتين قادمتين. وأضاف: «لا سبيل لاستعادة هذه الأموال». وأشار إلى أن الدعاوى القضائية نجحت في استعادة 260 مليون دولار من الأموال الملغاة مؤقتاً بفضل أوامر قضائية مؤقتة، لكن لم يصدر حكم نهائي بعد. وأشار والز إلى أن تخفيضات «ميديكيد» ستُخرج 140 ألفاً من سكان مينيسوتا من التغطية. وقال: «سيظل هؤلاء يتلقون العلاجَ في المستشفيات.

نحن لن نترك الناسَ ينزفون حتى الموت». لكن تلك التكاليف ستندرج تحت بند الرعاية غير المعوّض عنها، والتي تُعوّض عادة عبر رفع الأقساط على الأشخاص المؤمَّنين. وأوضح والز أنه رغم محاولته تحصين مينيسوتا من ترامب، إلا أن «الواقع هو أننا لا نملك الكثيرَ مما يمكننا فعله. حجم مشروع موازنة ترامب أكبر من أن نتعامل معه بمفردنا، ونحن نتحدث هنا عن واحدة من أغنى وأصحّ الولايات». وكعضو سابق في الكونجرس، عبّر والز عن دهشته من درجة استسلام المشرّعين، وقال: «عندما يُكتب تاريخ هذه الحقبة، سيكون أكبر فشل هو خضوع الكونجرس». ورغم أن الولايات «الجمهورية» ستعاني أيضاً، لأنها في المتوسط تعتمد أكثر من الولايات «الديمقراطية» على التمويل الفيدرالي، فإن والز مقتنع بأن ترامب «يعاقب الولايات التي لا تعجبه».

وعلى سبيل المثال، رفضت إدارة ترامب مؤخراً طلبَ ولاية ماريلاند للحصول على مساعدات في الكوارث، إلى جانب طلبات من كاليفورنيا ونورث كارولاينا وواشنطن، في حين تمت الموافقة على مساعدات لولايات يسيطر عليها الجمهوريون، مثل تكساس وكنتاكي. ويعرف حكام الولايات الديمقراطيون أن هناك احتمالا كبيراً لإلقاء اللوم عليهم بسبب تداعيات سياسة ترامب. وقد تم توقيت تخفيضات «ميديكيد» بحيث تدخل حيزَ التنفيذ بعد انتخابات التجديد النصفي. ومن الممكن أن تُغلق مستشفيات، لكن ذلك قد لا يحدث إلا بعد شهور.

وقد تتعثر اقتصادات الولايات مع تباطؤ التوظيف وبناء المنازل تحت ضغط الرسوم الجمركية. وتُعد الرسوم ضرائب خفية على المستهلكين والشركات والقطاع الزراعي، ومن الصعب على المستهلكين تتبّع مصدرها. يجد حكام الولايات الديمقراطيون أنفسهم في قلب معركة صعبة. ومع ذلك يجب عليهم بذل كل ما في وسعهم لتحسين الأوضاع السيئة، حتى عندما يواجهون شخصاً، كما قال حاكم ويسكونسن (توني إيفرز)، على استعداد لـ«تمزيق نظامنا الدستوري». وعلى الجانب الإيجابي، لا تزال الأحزاب في الولايات تعرف كيف تتعاون معاً.

مينيسوتا وويسكونسن، اللتان لديهما أكثر المجالس التشريعية انقساماً في البلاد، تُثبتان ذلك. وقد مرّرت الولايتان مؤخراً قوانين موازنات ثنائية الحزب تضمنت تخفيضات ضريبية للطبقة الوسطى واستثمارات ذكية طويلة الأجل. وقالت رئيسة مجلس النواب الجمهوري في مينيسوتا، ليزا ديموث، في ذلك الوقت: «أعتقد أننا أثبتنا هنا في المجلس أن الديمقراطيين والجمهوريين يمكنهم إيجاد طريقة للعمل معا». وعلى المستوى الفيدرالي، يجب على الكونجرس أن يفعل الشيء نفسه، أي أن يواجه هجمات ترامب على الولايات ويضمن أن تُوزع الأموال الفيدرالية التي يتحكم بها الكونجرس بصورة عادلة من أجل الصالح العام لجميع الأميركيين.

باتريشيا لوبيز

*كاتبة تعنى بالسياسات العامة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»