من بين جميع التصرفات والتصريحات المثيرة للجدل التي قام بها دونالد ترامب خلال فترة رئاسته، يأتي أخطرها ما وقع يوم الجمعة قبل الماضي، حين تدخل بشكل مباشر في عمل مكتب الإحصاءات الاقتصادية، وهو جهة حكومية مستقلة وموثوقة.
وأقال ترامب إريكا ماكينتارفر، رئيسة مكتب إحصاءات العمل التي أقرها مجلس الشيوخ، لأنها جلبت إليه أخباراً اقتصادية لم تعجبه، وفي الساعات التالية مباشرة، حدث ثاني أخطر الأمور، حيث انصاع كبار مسؤولي ترامب، الأكثر مسؤولية عن إدارة اقتصادنا، لرغباته، والذين لم يقدموا قط على طرد مرؤوس لهم من قبل، لأنه نقل إليهم بيانات مالية لم تعجبهم. وكان ينبغي على هؤلاء المسؤولين أن يطلبوا من ترامب أن يَعدُل عن هذا القرار، وتطرح السؤال المنطقي: إذا أقالت الإدارة أعلى مسؤولة في مكتب العمل لمجرد أنها نقلت لك بيانات اقتصادية سلبية، فكيف سيثق المواطنون لاحقاً في أي بيانات إيجابية يصدرها المكتب؟ لكنهم، بدلًا من ذلك، سارعوا إلى تغطيته. صحيفة «وول ستريت جورنال»، أشارت إلى أن وزيرة العمل، لوري تشافيز-دريمير، ظهرت على قناة «بلومبيرغ» صباح الجمعة لتقول، إنه رغم تنقيح تقرير الوظائف الصادر للتو بالخفض لشهري مايو ويونيو، «فقد شهدنا نمواً إيجابياً في الوظائف».
لكن بمجرد أن علمت بعد ساعات أن ترامب أقال مديرة مكتب إحصاءات العمل التي تتبعها مباشرة، كتبت على منصة (إكس) «أتفق تماماً مع الرئيس في أن أرقام الوظائف يجب أن تكون عادلة ودقيقة وألا يتم التلاعب بها لأغراض سياسية». حالياً، كم موظف حكومي سيتجرأ على نقل أخبار سلبية، وهو يعلم أن رؤساءه، من وزير الخزانة سكوت بيسنت إلى مدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفين هاسيت ووزيرة العمل تشافيز-دريمير والممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير، لن يدافعوا عنه، بل سيضحون به لإرضاء ترامب والاحتفاظ بمناصبهم؟
إن اللوم يطالهم جميعاً، لاسيما بيسنت، مدير صناديق التحوط السابق، الذي لم يتدخل. وكما قالت جانيت يلين، سلفه في وزارة الخزانة ورئيسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي سابقاً، وهي شخصية ذات نزاهة حقيقية: «هذا النوع من الأمور لا تتوقع أن تراه إلا في جمهوريات الموز». إذا أردنا معرفة كيف يرى الأجانب المشهد، فيكفينا رأي بيل بلاين متداول السندات في لندن وصاحب نشرة شهيرة بين خبراء السوق، حيث كتب: «قد يسجل أول أغسطس 2025 في التاريخ باعتباره اليوم الذي مات فيه سوق سندات الخزانة الأميركية.
وكان لقراءة البيانات الأميركية فن خاص يعتمد على الثقة. والآن تحطمت تلك الثقة، فبماذا نثق؟» ولا تعتبر هذه الممارسات، تكييف المعلومات لخدمة احتياجات ترامب السياسية، ليست جديدة، فقد استُخدمت بالفعل في مجال الاستخبارات. ففي مايو، أقالت مديرة الاستخبارات الوطنية، تولسي غابارد، اثنين من كبار المسؤولين اللذين أشرفا على تقييم يناقض ادعاءات ترامب بأن عصابة «ترين دي أراوا» تعمل تحت إشراف النظام الفنزويلي، وهو التقييم الذي قوض المسوغ القانوني المشكوك فيه الذي استخدمه ترامب، «قانون أعداء الأجانب» لعام 1798، لطرد المشتبه بانتمائهم للعصابة من البلاد دون اتباع الإجراءات القانونية.
وبدأ هذا التوجه بـ «غض الطرف الذاتي» ينتشر في مؤسسات حكومية أخرى. فقد ألغى وزير الجيش، دانيال دريسكول، الأسبوع الماضي تعيين جن إيسترلي، إحدى أبرز خبراء الأمن السيبراني في أميركا، في منصب أكاديمي رفيع في أكاديمية «ويست بوينت» العسكرية، وذلك بعد أن نشرت لورا لوومر، وهي يمينية متشددة مروجة لنظرية المؤامرة، ادعاء بأنها عميلة سرية من عهد بايدن. وجاء رد إيسترلي: «كمستقلة طوال حياتي، خدمت وطني في السلم والحرب تحت إدارات جمهورية وديمقراطية. قدت مهماتٍ داخل وخارج البلاد لحماية جميع الأميركيين من إرهابيين أشرار… عملت طوال مسيرتي لا كحزبية، بل كوطنية، ليس طمعاً في السلطة، بل خدمةً للبلد الذي أحب، ووفاءً للدستور الذي أقسمت على حمايته والدفاع عنه ضد جميع الأعداء». وجاء رد إيسترلي على«لينكد إن» إنها كانت مستقلة طوال حياتها، وخدمت بلادها في السلم والحرب تحت إدارات «جمهورية» و«ديمقراطية»، وقادت مهمات داخلية وخارجية لحماية الأميركيين من الإرهاب، مؤكدة أنها عملت بدافع الوطنية وبوفاء للدستور لا السعي للسلطة.
وقدمت نصيحة لطلاب «ويست بوينت»، مذكّرة إياهم باختيار «الصواب الأصعب بدل الخطأ الأسهل»، مؤكدة أن هذه القاعدة كانت دليلها طوال أكثر من ثلاثين عاماً، في الميدان والمناصب القيادية. وأضافت أن الصواب الأصعب لا يكون سهلاً أبداً، وهذا جوهر الأمر. وتلك هي المرأة التي لم يرغب ترامب بأن تُعلم جيلنا القادم من المقاتلين.لهذا السبب، ورغم أنني متفائل بالفطرة، فإنني للمرة الأولى أعتقد أنه إذا استمر السلوك الذي أظهرته هذه الإدارة في أول ستة أشهر من ولايتها، وإذا تضاعف على مدى السنوات الأربع الكاملة، فإن أميركا بقيمها التي نعرفها ستختفي. ولا أعلم كيف سنستعيدها.
*كاتب ومحلل سياسي أميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»