في منتصف القرن العشرين أطلق الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أكثر مقولاته إلغازاً «العلمُ لا يفكّر»! وذلك في كتابه:«في الشيء الذي يخصّ التفكير». هيدغر نفسه تورّط فيها فشرحها على عدّة أوجه ضمن أكثر من سياقٍ وعلى أكثر من تبويب.
لكن جوهر هذه العبارة تمييز العلم عن الفلسفة، باعتبار العلم لا يفكّر على عكس الفلسفة. هذه المقولة ستأخذ شيوعها لاحقاً بالسجال بين التيارات الفلسفية المتصارعة. أستعيد هذه المقولة مع تطور النقاش في ورش الفلسفة حول ماهيّة التقنية، وعلى الأخص مع دخول «الذكاء الاصطناعي» ضمن مجال التحليل والدرس السيكولوجي والعلمي والفلسفي.
من شروحات هذه المقولة الملغزة ما كتبه الأستاذ عبدالسلام بنعبدالعالي:«العلم إذاً لا يفكّر، بل إنه لا يمكن أن يفكّر في هذا الاتجاه باستخدام وسائله. لا يمكنني على سبيل المثال أن أقول ما الفيزياء باتّباع مناهج الفيزياء. ماهية الفيزياء لا يمكنني أن أفكّر فيها إلا عن طريق سؤال فلسفي. ليست العبارة: «العلم لا يفكر» عتاباً ومؤاخذة، وإنما هي مجرد إثبات وتحديد للبنية الداخلية للعلم: من خصائص ماهية العلم أنه يتوقف على ما تفكر فيه الفلسفة من جهة، وأنه من جهة أخرى، يتناسى ذلك ويُهمل ما يستدعي أن يكون محط تفكير». 
لكن السؤال هل يمكن للتكنولوجيا بأنواعها أن تفكّر؟!
لفتتْني تجربةٌ كتبَها جوتام موكوندا وأهميتها في كونه متخصصاً في مجالات الابتكار، فهو خارج المجال الفلسفي، ولكن ما كتبه يمدّنا بأكثر من سبيل لبناء تأمل عميق حول التقنية. تجربته نشرت بهذه الجريدة تحت عنوان: «الذكاء الاصطناعي.. الرجل المُطيع تماماً».
يقول:«لاحظتُ - في لعبة التنس - أن النجوم الحاليين، رغم أنهم مدهشون، لا يضربون الإرسال بقوة كما كان يفعل «بيت سامبراس» أو «جوران إيفانيزيفيتش». سألتُ «تشات جي بي تي» عن السبب، فقدم لي إجابةً مبهرةً تشرح كيف تطورت اللعبة لتُفضل الدقة على القوة... لقد سألتُ لماذا لم يعد اللاعبون يرسلون بنفس القوة كما في السابق؟! ولو كنتُ سألتُ العكس: لماذا أصبحت الإرسالات أقوى؟ لكان «تشات جي بي تي» قد قدّم لي تفسيراً معقولا آخر».
النتيجة الأهم في تجربته هي التالي:«المشكلة هي أن دماغ الإنسان يكافئه على شعوره بأنه مُحقّ، وليس على كونه محقاً بالفعل. لذا، يعطي الناس تقييمات أعلى للإجابات التي يوافقون عليها. ومع مرور الوقت، تتعلم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية ما يريد الناس أن يسمعوه وتعيد تدويره إليهم».
هنا مربط الفرس، فالإنسان حين يقدّم حقيقتَه فإن لديه «شعور» يسبق طرح الحقيقة، وهذا ما لا تتوافر عليه التكنولوجيا، ومنها الذكاء الاصطناعي.
الخلاصة، أن أسئلة التقدم التقني مثيرة للفضول، وهي تتطوّر يومياً، ثمة نتاج مطروح على هيئة نظرياتٍ أو مقالاتٍ أو تجارب، تشكّل نقطة انطلاق لفهم هذه الفتوحات المعرفية المبهرة.


*كاتب سعودي