مع تصاعد الحرب الروسية- الأوكرانية، برزت في الآونة الأخيرة تصريحات للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، حملت لهجة أكثر مرونة تجاه إمكانية وقف إطلاق النار. هذا التحول لا يعني تنازلاً عن مبادئ كييف، بل محاولة لإظهار الانفتاح السياسي وإلقاء الكرة في ملعب موسكو، وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة. في المقابل، يتمسك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمواقفه التقليدية، معتبراً أن أي وقف لإطلاق النار لا معنى له دون الاعتراف بالأراضي التي ضمتها موسكو.
زيلينسكي يسعى لتصوير نفسه كقائد مسؤول يوازن بين حماية السيادة الأوكرانية وبين حرصه على السلام. لذلك وضع شرطين أساسيين: عدم التنازل عن الأراضي، والحصول على ضمانات أمنية قوية من القوى الكبرى، تمنع روسيا من استخدام أي هدنة لإعادة التموضع. بوتين من جانبه يرى في أي اتفاق محتمل فرصة لتكريس مكاسب ميدانية، وإعادة ترتيب قواته بانتظار جولة أخرى من الصراع إذا لم تتحقق أهدافه السياسية.
لكن جوهر المعادلة لا يقتصر على كييف وموسكو. الولايات المتحدة تبقى اللاعب الأكثر تأثيراً. إدارة ترامب الجديدة، التي تواجه ضغوطاً داخلية لتقليص النفقات الخارجية، تبدو حريصة على دفع أوكرانيا نحو خطاب أكثر مرونة، من دون أن تفرض عليها تنازلات فادحة قد تهدد شرعية القيادة أمام شعبها. واشنطن تبحث عن مخرج سياسي يقلل من كلفة الحرب، ويحفظ في الوقت نفسه موقعها القيادي في النظام الدولي.
أوروبا بدورها تنظر إلى الحرب من زاوية مختلفة. القارة العجوز استنزفتها أزمة الطاقة وارتفاع كلفة المعيشة، وترى في استمرار الحرب تهديداً مباشراً لأمنها. لذلك يضغط قادة الاتحاد الأوروبي في اتجاه وقف إطلاق النار أو هدنة طويلة الأمد، ولو عبر تقديم ضمانات لأوكرانيا شبيهة بالمادة الخامسة في حلف «الناتو»، ولكن من دون ضمها رسمياً للحلف. الهدف هنا هو طمأنة كييف وكبح موسكو، وتخفيف في الوقت ذاته من المخاطر الاقتصادية والأمنية التي تثقل كاهل الشعوب الأوروبية.
المعضلة أن الغرب نفسه لا يملك رؤية موحدة. الولايات المتحدة تنظر للحرب باعتبارها جزءاً من صراع أشمل مع الصين وصعود القوى المنافسة، بينما أوروبا ترى فيها مسألة حياة أو موت لأمنها القومي. هذا التباين يضعف القدرة على تقديم جبهة متماسكة تضغط على موسكو وتدفعها نحو تسوية. وفي ظل هذه الفجوة، يبقى الميدان العسكري هو العامل الحاسم في تحديد إيقاع السياسة.
الضغط لا يأتي من الحكومات فقط، بل من الرأي العام العالمي أيضاً، الذي بات يزداد ضجراً من استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والإنسانية، حيث تجاوز عدد النازحين الملايين، وتفاقمت معاناة المدنيين في مناطق القتال. هذه الكلفة الإنسانية تضيف عنصراً جديداً على قادة العالم، وتجعل أي حديث عن هدنة أو تسوية أكثر إلحاحاً أمام الرأي العام.
السيناريو الأقرب ليس وقفاً شاملاً لإطلاق النار، بل هدنة محدودة أو جزئية برعاية أميركية- أوروبية، يتم الترويج لها كبناء للثقة. لكنها ستظل هشة مهددة بالانهيار مع أول خرق أو تبدل في موازين القوة. أما الحديث عن تسوية نهائية، فلا يزال بعيد المنال، لأن أوكرانيا لا تستطيع التنازل عن أرضها دون أن تخسر وجودها، وروسيا لا ترغب في التراجع.
الخلاصة أن وقف إطلاق النار في أوكرانيا لن يكون نتاج تفاهم ثنائي بين بوتين وزيلينسكي فحسب، بل نتيجة لمعادلة أعقد تتداخل فيها حسابات واشنطن وأوروبا، وضغوط الرأي العام العالمي. ومع استمرار التباين بين هذه القوى، يبقى أي حديث عن السلام مجرد خطوة تكتيكية، لا تغير من حقيقة أن الحرب ما زالت مفتوحة على احتمالات أطول وأكثر تعقيداً.
*لواء ركن طيار متقاعد