بينما احتفلت الهند بالذكرى التاسعة والسبعين لاستقلالها عن الاحتلال البريطاني، أعلنت الحكومة عن العديد من البرامج الجديدة، إلى جانب التزامها بتحقيق أهداف إضافية تحت شعار «الهند الجديدة». ووفقاً للتقليد السنوي لرفع العلَم الوطني الهندي من على أسوار «القلعة الحمراء» التاريخية في دلهي، ألقى رئيس الوزراء ناريندرا مودي كلمة أكد فيها أن البلاد بحاجة إلى أن تصبح أكثر اعتماداً على الذات من خلال تعزيز قطاع التصنيع.

وأعلن أن «تقدم الهند أصبح لا يمكن إيقافه»، وأن الوقت قد حان لكي تثبت الهند قوتها في الأسواق العالمية عبر منتجات عالية الجودة. كما شدد على أن هيمنة الهند على السوق العالمية تتطلب من المصنّعين الهنود خفض تكاليف الإنتاج وضمان جودة عالية للمنتجات التي يتم تصديرها، قائلاً، إن مبدأ رجال الأعمال الهنود يجب أن يكون «سعر أقل وجودة أعلى». تصريحات مودي جاءت في ظل تصاعد التوترات التجارية الناتجة عن الرسوم الجمركية المتبادلة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والتي أحدثت اضطراباً في التجارة العالمية. وتواجه الهند رسوماً بنسبة 50% من الولايات المتحدة، حيث تم تنفيذ نصفها بالفعل على أن يُطبق النصف الآخر في وقت لاحق من هذا الشهر.

وفي هذا السياق، قال مودي، إن الهند بحاجة إلى الاعتماد على نفسها وتصنيع كل شيء بدءاً من الأسمدة وصولاً إلى محركات الطائرات وبطاريات السيارات الكهربائية، مؤكداً مراراً أن الهند بحاجة إلى تحسين جودة صناعاتها. وأوضح أن رسوم ترامب الجمركية تمثل نقطة تحول في مسيرة الهند الاقتصادية. وبينما لا يزال هناك غموض حول المعدل النهائي للرسوم، تواصل الهند وواشنطن التفاوض على اتفاق تجاري، فيما بدأت نيودلهي في الاستعداد لتأثير الرسوم الجمركية. وجاءت رسالة رئيس الوزراء لتعزيز قطاع التصنيع والاعتماد على السوق المحلية، إذ تعد الهند رابع أكبر اقتصاد في العالم وتمتلك سوقاً محلية ضخمة.

وكانت البلاد تأمل في رفع مساهمة قطاع التصنيع إلى 25% من الاقتصاد بحلول عام 2025، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن، ويبدو من غير المرجح أن يتم بلوغه. حالياً، يساهم قطاع التصنيع بنسبة 17% من الناتج المحلي الإجمالي للهند، ويوظّف أكثر من 27.3 مليون شخص. وعلى الرغم من الجهود المبذولة، ما زالت التحديات تعيق نمو التصنيع، مثل الحاجة إلى تحسين البنية التحتية، وتوفير الكهرباء والمياه بشكل موحد في أنحاء البلاد، إلى جانب التعقيدات التنظيمية والبيروقراطية والفجوات في المهارات وغيرها. ومع أن 60% من سكان الهند دون سن الـ 35، إلا أن الشباب بحاجة إلى مهارات تمكّنهم من شغل فرص العمل المتاحة. في إطار توجهاته السياسية، أعلن رئيس الوزراء الهندي عن إصلاحات ضريبية ضخمة على السلع والخدمات.

وقال، إن الحكومة ستُشكل «فريق عمل إصلاحي» مُخصصاً لهذا الغرض. يهدف هذا الفريق إلى قيادة إصلاحات الجيل القادم لتسريع النمو الاقتصادي، والحد من البيروقراطية، وتحديث الحوكمة. وتهدف هذه الإصلاحات إلى دفع الهند إلى اقتصاد بقيمة 10 تريليونات دولار بحلول نهاية عام 2047. ومن الجوانب المهمة في خطاب مودي تأكيده على تنمية الطاقة النووية عشرة أضعاف بحلول نهاية عام 2047، مشيراً إلى أن مهمة الهند هي زيادة الطاقة النووية عشرة أضعاف عن طاقتها الحالية خلال العقدين المقبلين. وأوضح أن العمل جارٍ على بناء 10 مفاعلات نووية جديدة.

كما أطلق برنامجاً لتوظيف الشباب يهدف إلى توفير 30 مليون فرصة عمل خلال العامين المقبلين. وبموجب البرنامج، سيحصل الموظفون الجدد على دعم مالي شهري قدره 15 ألف روبية. ومن المتوقع أن يستفيد من هذه المبادرة حوالي 30 مليون شاب هندي. وقد وافقت الحكومة على هذا البرنامج، كجزء من الجهود المبذولة لتوفير فرص العمل، وهو أمر بالغ الأهمية للهند نظراً لعدد سكان الهند الكبير.

لقد أكد مودي بوضوح على التحديات التي تواجهها الهند في ظل بيئة عالمية شديدة التقلب، وما يتعين على البلاد فعله لمواصلة نموها الاقتصادي السريع. والسؤال الآن هو: هل تستطيع الهند الآن مواجهة هذا التحدي رغم الصعوبات والخروج منه أقوى على الساحة العالمية؟

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي