تنخرط الولايات المتحدة حالياً في حوارين يبدوان للوهلة الأولى منفصلين تماماً، إذ يركز الأول على الرجال والفتيان. وكما أوضح ريتشارد ريفز، مؤسس المعهد الأميركي للفتيان والرجال، فإن الشعور باليأس والإحباط يزداد بين جيل الشباب الأميركي من الذكور. وتعتبر الصورة النمطية السائدة بأن الشاب يجلس باستمرار في قبو منزل والده يلعب ألعاب الفيديو، مكتئباً ومنعزلاً لدرجة تمنعه من دعوة الشابات للخروج.
لكن هذه المبالغة لا ينبغي أن تحجب الواقع الأوسع والأكثر دقة. ليس عليك أن تكون عازباً حتى تصدق أن «النظام» فاسد ومُصمم ليحول دون نجاحك. أما الحوار الثاني، فيتعلق بتركيز قادة المدن والولايات في كل مكان على أزمة السكن، وتحديداً مسألة امتلاك المنازل. فالإيجارات مرتفعة للغاية، وحتى أبسط المنازل باتت بأسعار فلكية.
وتقسيم المناطق حصري، وأسعار الفائدة مرتفعة للغاية، وإرث سياسات التمييز العنصري لا يزال قائماً. والأسوأ من ذلك، أن بناء المنازل الجديدة انخفض إلى أدنى مستوى له في خمس سنوات، ولا يتم بناء منازل كافية لمواكبة الطلب، وحتى لو بدأ البعض بالبناء، فلن يتمكنوا من تحمل تكلفته بسهولة. وتلك الأنماط وجهان لعملة واحدة.
فقبل 30 عاماً فقط، كان متوسط عمر مشتري المنزل لأول مرة 28 عاماً. أما اليوم فهذا المتوسط هو 38 عاماً. وفي عام 2000، كان متوسط سعر منزل الأسرة الواحدة ثلاثة أضعاف الدخل السنوي للأسرة، أما اليوم، فهو ستة أضعاف. والآثار واضحة: في ألمانيا وإسبانيا، حيث ارتفعت أسعار العقارات بوتيرة أقل على مدى الـ30 عاماً الماضية، ظلت نسبة الشباب الذين أفادوا بمعاناتهم من القلق والحزن والغضب ثابتة إلى حد كبير.
أما في الولايات المتحدة، حيث ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 85%، فإن ثلث الشباب الآن يشعرون بالإحباط. ورغم أنها أزمة تمسّ جميع الأميركيين، رجالاً ونساءً، إلا أنها تؤثر على الذكور بشكل خاص، فشئنا أم أبينا، لا يزال الرجال الأميركيون يُربون على الاعتقاد بأن دورهم هو العائل والحامي. وعندما يدرك الرجال، الذين ترتبط تقديراتهم الذاتية بهذا الطموح، أنهم لن يتمكنوا أبداً من شراء منزل، فمن المحتم أن يشعروا بالخزي والغضب. ولا يمكن للحلم الأميركي أن يرقى إلى اسمه حين لا يملك إلا عُشر السكان فحسب فرصةً لتحقيقه.
لقد أصبح الحلم بعيد المنال ومكلفاً بطريقة ينبغي على «الديمقراطيين» إعلان رفضها، فهم يتحدثون طوال الوقت عن طرح الديمقراطية على المحك في الانتخابات، لكن الحل لا يكمن في تسجيل مزيد من الناخبين أو تعميم التصويت بالبريد فقط، بل تكمن المشكلة الحقيقية في صعوبة تحقيق الازدهار من جيل إلى جيل. وليس الأمر سراً أن الديمقراطية الأميركية غير مستقرة تقريباً في نفس الوقت الذي أصبح فيه الحلم الأميركي بعيد المنال.
وبما أن ذلك ليس مصادفة، فعلينا مواجهة أزمة امتلاك المنازل مباشرة. ولا تعتبر تلك مشكلة تسويق سياسي، ولا تتعلق بأن يحسن «الديمقراطيون» استخدام «تيك توك»، أو أن يتحدثوا بلغة أكثر «أصالة»، بل يأتي السكن في المرتبة الأولى على قائمة الضروريات التي ترتفع أسعارها باستمرار، مثل الوقود، والمواد الغذائية، والرعاية الصحية. وإذا أراد «الديمقراطيون» إنقاذ الديمقراطية ومحاربة عدم المساواة الاقتصادية في آن واحد، فعليهم معالجة المصدر الأساسي لقدر كبير من شعور نصف البلاد بالإهانة والغضب.
ولم تظهر هذه الأزمة بين ليلة وضحاها. فإذا تتبعنا جذورها، يكفي النظر إلى الأزمة المالية عام 2008، حين انفجرت فقاعة الرهن العقاري، وفقدت ملايين الأسر منازلَها لأن «وول ستريت» تلاعبت بالنظام عمداً. ومع ذلك، طالب المصرفيون الذين تورطوا في هذه المؤامرة بمكافآتهم السنوية، وغالبيتهم حصلوا عليها. وبصفتي رئيساً لموظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما، فقد أردتُ محاسبةَ المصرفيين الذين باعوا قروضاً كاذبة. لكن مقترحاتي في قاعة روزفلت رُفضت، ربما بحكمة، ليتمكن «الديمقراطيون» من السعي أولاً لإصلاح الرعاية الصحية. ورغم أننا دعمنا لاحقاً إصلاحات دود-فرانك المالية، لم يُسجن أحد من المصرفيين، مما زاد الطينَ بلةً.
وإذا كان هناك أي جانب إيجابي لأزمة الإسكان، فهو أنها، على عكس العديد من تحدياتنا الوطنية، قابلة للحل. فبخلاف صعود الصين، أو شبح الذكاء الاصطناعي، أو كارثة تغير المناخ العالمي، لسنا بحاجة إلى أدوات سياسة أو مؤسسات جديدة لمساعدة أسر الطبقة العاملة على شراء منازلها الأولى، فقد فعلنا ذلك من قبل. وقبل قرن من الزمان، كانت القروض العقارية بعيدة المنال عن الغالبية، فجاء الرئيس فرانكلين روزفلت ببرنامج الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية واسع النطاق («الصفقة الجديدة») من خلال ابتكار نظام جعل قروض الـ30 عاماً ذات الفائدة الثابتة، والتي تُسدد على أقساط، في متناول معظم المشترين. وتطور لاحقاً ليشمل مؤسستي «فاني ماي» و«فريدي ماك» للقروض والائتمان. وبعدها، أقرت الحكومةُ قانونَ «جي آي بيل» للمحاربين القدامى في الحرب العالمية الثانية.
وقد تختلف تفاصيل السوق العقارية اليوم، لكن الجوهر واحد، وهو تطبيق الدروس المستفادة. أولاً، كما نعامل قدامى المحاربين كفئة خاصة عند شراء المنازل، يجب أن نعامل المشترين لأول مرة كفئة مستقلة. ولتسهيل وصولهم إلى الدرجة الأولى على سلم الازدهار الاقتصادي، ينبغي إعادة العمل بمنحة الضرائب التي أقرتها إدارة أوباما بقيمة 8000 دولار، وزيادتها ثلاثة أضعاف لتواكب الأسعار الحالية، وربطها بمعدل التضخم.
ثانياً، يجب دراسة سبل تمكين المشترين لأول مرة من الحصول على قروض عقارية بأسعار فائدة ميسرة. ثالثاً، بالاستفادة من النجاحات الأخيرة التي حققتها تكساس وكاليفورنيا على مستوى الولاية عبر تخفيض أسعار الأراضي وتبسيط قوانين تقسيم المناطق، ينبغي تبني سياسات فيدرالية تحفز بناءَ المساكن. وتسمح تكساس حالياً بالبناء السكني على الأراضي المخصصة تجارياً على مستوى الولاية، كما سنت كاليفورنيا قانوناً يسهل بناء المساكن في المساحات الفارغة.
واقترح السيناتوران إليزابيث وارن («ديمقراطية» من ماساتشوستس) وتيم سكوت («جمهوري» من كارولاينا الجنوبية)، إلزام الحكومة الفيدرالية بمكافأة الولايات والمدن التي تتبنى حلولاً قائمة على زيادة العرض. وتُعد معالجة مسألة ملكية المنازل مثالًا واضحاً على أن السياسات الجيدة تُصبح ناجحةً. وكما وجد خبير البيانات ديفيد شور في تحليله للسباق الرئاسي لعام 2024، تزامنت أفضل لحظة في حملة كامالا هاريس مع بث إعلانات تلفزيونية تُركز على تكاليف السكن.
واليوم، نقترب سوق الأسهم من أعلى مستوياتها على الإطلاق، ويتقاضى الرؤساء التنفيذيون رواتب تفوق أجور العمال العاديين بنحو 300 ضعف، ويبني الأثرياء مركبات فضائية مصممة خصيصاً لهم. ومع ذلك، لا يستطيع الأزواج الشباب تحمل تكلفة الدفعة الأولى لشراء منزلهم الأول. وكان غالبية الأميركيين يعتقدون أن بإمكانهم الانضمام إلى الطبقة المتوسطة بالعمل الجاد والالتزام بالقواعد. أما الآن، فيتزايد عدد الشباب الذين يشعرون بأنهم يركضون في أماكنهم دون إحراز أي تقدم. إن الأمل في امتلاك جزء صغير من المستقبل متأصل بعمق في وجداننا الوطني. ويعتمد نجاح الحزب الديمقراطي على قدرته على تمكين الرجال، على وجه الخصوص، من تحقيق هذا الأمل وضمان نجاحهم فيه.
*سفير سابق ورئيس موظفي البيت الأبيض في عهد باراك أوباما.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»