تشير الدراسات الحديثة إلى أن ما يقارب ثلث الآباء يقرُّون بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي المؤثر الأكبر في سلوك أبنائهم؛ متقدمةً على المعلمين في المدرسة؛ إذ لم يعد الأبناء مجرَّد متلقين سلبيين؛ بل تحوَّلوا إلى صنَّاع محتوى، يختارون ما يستهلكون، ويعيدون إنتاجه لجمهورهم الصغير. وهذا التحول يعبر عن لحظة فارقة في تاريخ التربية: إذ لم تعد السلطة التربوية مركزية متماسكة؛ بل توزعت على شبكة غير متجانسة من المنصات والأصدقاء والمؤسسات والمدرسة؛ بحيث لم يعد أي منها يملك زمام المبادرة وحده.
وهذا المشهد يقودنا مباشرة إلى ما نظّر له زيغمونت باومان في الحداثة السائلة؛ إذ لم تعد الهوية الإنسانية إطاراً صلباً ومستقراً، بل غدت حالة متحركة؛ تتبدل وفق إيقاع السوق، وثقافة الاستهلاك، والفضاء الرقمي. وفي السابق كانت الهوية تُبنى تدريجياً عبر مؤسسات العائلة والمدرسة والدين والدولة. أما اليوم؛ فهي تُصاغ في فضاءات متغيرة بلا مركز ولا ثبات؛ ما يمنح مرونة من جهة، ولكنه يزرع هشاشة وانعدامَ يقين من جهة أخرى.
ويتقاطع هذا مع ما أشار إليه أولريش بك في مجتمع المخاطر: إن الحداثة المتأخرة لم تعد تنتج استقراراً، بل تهديداً دائماً بالتغيير؛ ومع ما طرحه مانويل كاستلز في مجتمع الشبكات؛ حيث تصبح السلطة والمعرفة موزعتين أفقياً عبر الشبكات، لا عمودياً عبر المؤسسات. وهذه الرؤى مجتمعةً تكشف أن التربية لم تعد عملية «إعداد» تقليدية بقدر ما أصبحت تمريناً دائماً على «التأقلم» مع عالم سريع السيولة؛ يضع الطفل في قلب شبكة اجتماعية وثقافية ومعرفية متقلبة.
ولم يعد الطفل ينتظر سلطة الأسرة، أو المدرسة، لتخبره «من يكون»، بل يُجرِّب هويات متعددة عبر المنصات؛ يغيِّر صورته في لحظة، وينتقل من دائرة انتماء إلى أخرى كما ينتقل بين التطبيقات. إننا أمام جيل يتعلم كيف «يعيش في التريند» أكثر مما يتعلم البقاء على الأرض الصلبة، والسؤال الجوهري هنا: هل هذه السيولة مؤشر إلى قدرة صحية للتكيف والمرونة والانفتاح؛ أو نذير باضطراب الهوية وانكسار الانتماء؟ 
الإجابة تتوقف على قدرتنا على إعادة تعريف غاية التربية؛ فإذا اختزلنا أبناءنا في درجات الاختبار المدرسية؛ فلن نصوغ لهم هوية متماسكة في عالم متحول. أما إذا وُجِّهت هذه السيولة بمرجعية قيمية ومعرفية واضحة؛ فقد تتحول إلى طاقة إبداعية موظفة لخدمة البلاد.

والمستقبل لن يُحسَم بما تتيحه المنصات من محتوى؛ بل بقدرة مجتمعاتنا على إعادة هندسة التربية بصفتها شبكة منسجمة؛ فالأسرة حاضنة وجدانية، والمدرسة مختبر للعقل النقدي، والمؤسسات الدينية والمجتمعية داعمة للقيمة والمعنى، والفضاء الرقمي أداة، وليس مسيّراً، وعندها فقط نستطيع أن نصوغ جيلاً يتعامل مع «الهويات السائلة» بصفتها مساحة ثراء، لا قدراً مفروضاً.
د. كريمة المزروعي 
مستشار- جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية