تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب عازمة على تفكيك وكالة «المعاهد الوطنية للصحة»، إذ تواصل ابتكار طرق جديدة لتسييس ما اعتُبر لفترة طويلة جوهرةَ البحث العلمي الأميركية. وتتمثل أحدث خطوة في محاولة تقنين الرقابة السياسية على عمليات الوكالة وفرض تغييرات جذرية ومفاجئة على طريقة توزيع تمويل الأبحاث. وقد ترك ذلك الباحثين الأكاديميين، الذين هم بالفعل تحت رحمة إدارة متقلبة، في حالة دائمة من عدم اليقين، متسائلين عن موعد استهداف أعمالهم المقبلة. كما أنه يقلّص نطاقَ الأبحاث التي ترغب المعاهد الوطنية للصحة في دعمها، ويجعل الولايات المتحدة مكاناً أقل جذباً لمتابعة الابتكار في الطب الحيوي. والنتيجة طويلة المدى هي تباطؤ في الاكتشافات التي يمكن أن تحسِّن حياة المرضى بشكل ملموس.
إن أكثر من 80% من ميزانية المعاهد الوطنية للصحة، البالغة 48 مليار دولار، تذهب لدعم الأبحاث الأكاديمية، وهو توزيع يبدو أن مدير مكتب الإدارة والميزانية «راسل فويت» عازم على قلبه رأساً على عقب.
بدأت معاناة الأوساط الأكاديمية بعد أيام فقط من تولي ترامب منصبه، فقد تم تجميد التمويل المخصص للمنح البحثية التي تدعم الباحثين في الجامعات والمستشفيات والمنظمات غير الربحية بشكل مفاجئ. وبعد أسابيع، تم خفض تكاليف النفقات العامة، وهي رسوم متفاوض عليها تُستخدم لتمويل البنية التحتية للمختبرات في جميع أنحاء البلاد. كما بدأ الباحثون بتلقي إشعارات بإلغاء منحهم. وأدت هذه الحملة في النهاية إلى فقدان جامعات مثل كولومبيا وهارفارد ونورث وسترن وجامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس التمويلَ البحثي بالكامل.
وقد قاومت المحاكمُ والكونجرس هذه المحاولات بشكل متكرر، وتمكنت بعض الجامعات من التوصل إلى تسويات مع إدارة ترامب، ما أعاد تدفق التمويل في بعض الحالات. ومع ذلك، يظل مستقبل قطاعات واسعة من الأبحاث غامضاً مع اقتراب نهاية السنة المالية. وتقول «كاري وولينيتز»، المسؤولة السابقة في المعاهد الوطنية للصحة: «هناك أموال كثيرة عالقة في نزاعات قضائية»، ولا أحد يدري ما سيحدث لهذه الأموال بحلول أكتوبر المقبل.
وسط هذه الفوضى، تباطأت عملية منح التمويلات الجديدة إلى وتيرة شبه متجمدة. ووجد الباحثون الذين كانوا يتوقعون الحصول على الموافقات عبر العملية الصارمة المعروفة للمعاهد الوطنية للصحة، أنفسهم في دوامة قلق: هل ستصل الأموال في النهاية؟
ويكمن مصدر التأخير في سياسة داخلية جديدة وسرّية تتطلب خضوع المشاريع ليس فقط لمراجعة علمية، بل أيضاً للتدقيق السياسي. لم يعد بإمكان أي منحة الحصول على الضوء الأخضر ما لم تتم مراجعتها للتأكد من أنها لا تنتهك أوامر ترامب التنفيذية، لا سيما تلك المتعلقة بالتنوع والمساواة والشمول، بالإضافة إلى السياسات المرتبطة بالنفوذ الأجنبي وقضايا النوع الاجتماعي.
وقد أدى هذا التباطؤ المطوّل الآن إلى سباق محموم لإنفاق الـ48 مليار دولار التي خصصها الكونجرس للمعاهد الوطنية للصحة قبل نهاية السنة المالية في 30 سبتمبر.
يواجه موظفو المعاهد الوطنية للصحة مهمةً شاقة؛ فبين إلغاء المنح وتأخير إصدار منح جديدة، لا تزال مليارات الدولارات غير منفقة. ووفقاً لتحليل أجراه «جيريمي بيرج»، المدير السابق لأحد فروع المعاهد الوطنية للصحة، فقد تم تخصيص 4.25 مليار دولار أقل بحلول نهاية يوليو مقارنة بنفس الفترة من عام 2024. وبالطبع، فإن الهدف من هذه المراجعات «السياسية» هو استبعاد المنح «المخالفة»، لكنها تمنح «فويت» فرصةً لاستعادة الأموال التي خصصها الكونجرس: فإذا لم تتمكن المعاهد الوطنية للصحة من إنفاق ميزانيتها بالكامل بحلول 30 سبتمبر، فستعود الأموال المتبقية إلى وزارة الخزانة الأميركية.
وقد يصبح هذا الصراع حدثاً متكرراً. ففي وقت سابق من هذا الشهر، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً بشأن تقديم المنح الفيدرالية، في محاولةٍ لتقنين هذه المراجعة السياسية بحجة منع الهدر في الإنفاق.
مثل هذه الإجراءات تثير مخاوف من أن أي بحث يتجاوز الخطوط السياسية «الخاطئة» سيكون معرضاً للخطر، مما يجعل التخطيط للمستقبل أكثر صعوبةً لأي شخص يعتمد على تمويل المعاهد الوطنية للصحة.وفي غضون ذلك، قد تؤدي تغييرات هادئة أخرى إلى تقليص حجم التمويل العلمي في السنوات المقبلة. فقد نصت سياسة جديدة أعلنت الشهر الماضي على أن المعاهد الوطنية للصحة ستغير طريقةً تمويل المنح: تخصيص المبلغ الكامل للمنحة متعددة السنوات دفعة واحدة بدلاً من توزيعه على عدة سنوات. وهذا يعني أنه بدلاً من تمويل خمسة مشاريع قيمتها مليون دولار لكل منها لمدة خمس سنوات، يمكنها الآن تمويل مشروع واحد فقط.
هذه طريقة قد تستحق الدراسة، لكن تنفيذها بشكل مفاجئ سيؤثر بعمق على الباحثين وعلى نطاق الأبحاث الممولة في الولايات المتحدة.
ولا يزال الكونجرس يرسل رسالةً واضحةً مفادها أنه يجب عدم التدخل في شؤون المعاهد الوطنية للصحة. فقد احتج أعضاء من الحزبين على استهداف الوكالة التي تمثل مصدر ازدهار اقتصادي كبير للمجتمعات المحلية. وعندما طلبت إدارة ترامب خفضَ ميزانية المعاهد الوطنية للصحة بنسبة 40% لعام 2026، ردّ مجلس الشيوخ بزيادة قدرها 400 مليون دولار عن الميزانية الحالية البالغة 48 ملياراً.
هذا التمويل الثابت ضروري، لكنه لم يعد حلاً كافياً. يجب التصدي لمحاولات إدارة ترامب السيطرة على البحث العلمي الأميركي، وإلا فسنقضي عقوداً في محاولة إعادة بناء ما تم التخلي عنه.
ليزا جارفس*
*كاتبة تعنى بمجال التكنولوجيا الحيوية والرعاية الصحية والصناعات الدوائية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»