عندما التقى الرئيس الكوري، «لي جاي ميونج»، الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأول مرة، الاثنين الماضي، كانت هديته التي أسعدت ترامب بالتأكيد: خبرة جمهورية كوريا في صناعة بناء السفن. فقد عقد «لي»، الذي انتُخب في يونيو، قمتَه الأولى مع ترامب في وقت يشهد توتراً في العلاقة بين الحليفين الأمنيين، في ظل إدارة أميركية تقيّم الحلفاء من خلال عجز الميزان التجاري.
وبلغ العجز التجاري الكوري مع الولايات المتحدة 66 مليار دولار العام الماضي، وفقاً لممثل التجارة الأميركي، لكن صناعة بناء السفن ظهرت كفرصة حاسمة للتعاون. جعل ترامب إحياء صناعة بناء السفن الأميركية أولويةً لمحاولة سد الفجوة مع الصين في هذا المجال. ومنذ إعادة انتخابه، كرر مراراً فكرةَ التعاون مع جمهورية كوريا، ثاني أكبر دولة في العالم في صناعة السفن بعد الصين، رغم انتقاده المتكرر لسيول بسبب «الاعتماد المجاني» على الولايات المتحدة في الأمن!
وهناك قضايا شائكة أخرى: يدرس البنتاجون سحب القوات الأميركية من جمهورية كوريا، ويريد ترامب زيادةَ تكلفة تمركز القوات الأميركية في البلاد على سيول. وفي الوقت نفسه، يسعى «لي» إلى اتباع نهج أقل تصادمية مع بكين، بينما يريد ترامب من الحلفاء الانضمام إلى واشنطن للحد من نفوذ الصين. وقال «آهن هو-يونج»، السفير الكوري السابق لدى الولايات المتحدة: «نحن في وقت عصيب للغاية، مليء بالقضايا المهمة، وأتمنى أن تتحسن الأمور بين الرئيسين».
ولهذا السبب، ركّزت سيول على السفن باعتبارها ورقة الضغط الأقوى، وربما الوحيدة، في التعامل مع ترامب. حتى إن المسؤولين الحكوميين أطلقوا على مقترحهم اسم «مشروع جعل صناعة بناء السفن الأميركية عظيمة مجدداً» (ماسجا) (MASGA). وسارع مصنع «موجا» للقبعات في سيول لتنفيذ طلب من 10 قبعات حمراء مطرزة بعبارة «ماسجا»، ومعها علمَي أميركا وجمهورية كوريا، وذلك قبل إعلان الجانبين اتفاقاً مبدئياً بشأن الرسوم الجمركية الشهر الماضي. في البداية، واجهت سيول تهديداً بفرض رسوم جمركية شاملة بنسبة 25%، لكنها نجحت في الحصول على رسوم بنسبة 15%، تماماً مثل اليابان.
وعندما أعلن البلدان عن إطار اتفاق الرسوم الشهر الماضي، قال الرئيس «لي»: إن الصفقة تضمنت صندوقاً بقيمة 150 مليار دولار مخصصاً للتعاون في صناعة السفن، رغم أن التفاصيل لا تزال غامضة. ويرى الخبراء أن هذا يسلط الضوء على واحدة من نقاط القوة الأساسية لجمهورية كوريا. وقال «ريه شين-هيونج»، أستاذ هندسة السفن بجامعة سيول الوطنية: «أعتقد أن الكوريين متحمسون للغاية، لأن هذه هي المرة الأولى التي تطلب فيها الولايات المتحدة المساعدةَ من كوريا».
وقد يكون الاتفاق مفيداً للطرفين، إذ سيسمح للشركات الكورية بالتوسع في الأسواق الدفاعية والتجارية الأميركية، وسيعزز مكانة جمهورية كوريا عنصراً أساسياً في سلاسل التوريد، وفقاً لـ«هونج جين-هي»، الباحثة في الأمن الاقتصادي بمعهد كوريا للسياسات الاقتصادية الدولية.
وأضافت أن مشاريع ضخمة، مثل توسيع إنتاج ناقلات الغاز الطبيعي المسال والسفن الحربية في أحواض بناء السفن الأميركية والتعاون مع البحرية الأميركية، ستساعد جمهورية كوريا في تعزيز سجلها العالمي التنافسي.واشتمل برنامج زيارة الرئيس «لي» على جولة في حوض بناء السفن «هانوا فيلي» في فيلادلفيا عقب القمة.
وكانت مجموعة «هانوا» العام الماضي أول شركة كورية تستحوذ على حوض بناء سفن أميركي، حيث استثمرت 100 مليون دولار، وجلبت معدات عالية التقنية وتصاميم متطورة وخبرة تصنيعية لتعزيز الإنتاج. وقد ازدهرت صناعة بناء السفن في جمهورية كوريا منذ سبعينيات القرن الماضي، وأسهمت في قيادة الثورة الصناعية للبلاد للخروج من الفقر بعد الحرب. وتتجلى ثمار هذه الاستثمارات في «أولسان»، موطن شركة «هيونداي» للصناعات الثقيلة، أكبر شركة بناء سفن في العالم، والتي تنتج السفن التجارية والعسكرية للبحرية الكورية.
والواقع أن صناعة بناء السفن ازدهرت في شرق آسيا ككل، إذ تستحوذ الصين وجمهورية كوريا واليابان معاً على 90% من الطاقة الإنتاجية العالمية لبناء السفن التجارية، وفقاً لمؤسسة «راند» البحثية التي تُعنى بالأمن القومي. أما صناعة بناء السفن الأميركية فتراجعت بشكل كبير منذ الثمانينيات، وهي تشكل الآن أقل من 1% من السوق العالمية. ووفقاً لمكتب المحاسبة الحكومي الأميركي، تكافح البحرية الأميركية لبناء السفن في الوقت المحدد وضمن الميزانية وبكميات كبيرة. كما ساهم قانون مصمم لحماية شركات بناء السفن الأميركية من المنافسة الأجنبية في تقادم الأسطول التجاري الأميركي، بحسب خدمة أبحاث الكونجرس. وهذا يعني أن على الولايات المتحدة الاعتماد على حلفائها، بدلاً من العمل بمفردها، لا سيما بالنظر إلى مستوى الدعم الذي تقدمه الحكومة الصينية لأحواض بناء السفن المملوكة للدولة، بحسب «مييون أوه»، رئيسة شؤون كوريا في مؤسسة «راند».
لكن الولايات المتحدة يمكنها السماح بـ«إنتاج مشترك محدود» مع الحلفاء المقربين، مع الحفاظ على الملكية والتشغيل الأميركي. تقول «أوه»: «لا يمكن للولايات المتحدة بمفردها منافسةَ الصين». ويضيف «برايان كلارك»، وهو خبير العمليات البحرية في معهد هدسون، إن التنسيق مع سيول وطوكيو سيسمح للولايات المتحدة ببناء قدرة صيانة في المنطقة، حال نشوب نزاع بحري في شرق وجنوب شرق آسيا. ويمكن للحلفاء المساعدة في الإصلاح والصيانة، إذ تُجرى معظم صيانة السفن الأميركية المتمركزة في اليابان هناك بالفعل.
وعلى الصعيد التجاري، أضاف كلارك أن الولايات المتحدة بحاجة إلى جذب استثمارات من الحلفاء لتعزيز طاقتها الإنتاجية المحلية، خاصةً لحماية نفسها من تهديدات مثل قطع سلاسل التوريد والخدمات اللوجستية. ويمكن للشركات الكورية شراء المزيد من أحواض بناء السفن الأميركية أو الاستثمار فيها. وقالت شركة «هيونداي»: «نأمل أن ندعم إعادة بناء وتحديث صناعة بناء السفن الأميركية من خلال التعاون المستقبلي مع الولايات المتحدة في الصناعات البحرية التجارية والدفاعية». وقد لاحظت الصين هذه التحركات، حيث حذّرت صحيفة «جلوبال تايمز»، الأسبوع الماضي، جمهوريةَ كوريا واليابان من أن التعاون مع الولايات المتحدة «قد يهدد بتحويل الموارد بعيداً عن أولوياتهم الخاصة».
ميشيل يي هي لي*
*صحفية تغطي شؤون اليابان وشبه الجزيرة الكورية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»