هل من أوجه شبه بين رجل الدين ورجل إنفاذ القانون؟ للإجابة عن هذا السؤال المثير، لا بد من التوقّف أمام المظاهر التالية: يتميّز كل منهما بلباس خاص يمثل سلطة عليا في كلٍ من المجالين، فرجل الدين كان قديما في الغرب يمثل «السلطة الدينية» (إن وجدت)، ورجل إنفاذ القانون يمثل سلطة الدولة الوطنية. الأول يحذر من العقاب في الآخرة، والثاني مزود بسلاح العقاب في الدنيا.
كان رجل الدين يستمد سلطته من النصوص الدينية، ويستمدّ رجل إنفاذ القانون سلطته من نصوص القوانين التي تمثل إرادة السلطة. الأول يستند إلى نصّ مقدّس، والثاني يستند إلى الدستور والقانون. ومن الفوارق الأخرى بين الاثنين أن عقاب رجل إنفاذ القانون عقاب آني معجّل، أما العقاب الديني فمؤخَّر حتى يوم القيامة.
يخضع عقاب رجل إنفاذ القانون لطرق المراجعة والتعديل، بل للأسباب التخفيضية أو حتى العفو، ويخضع العقاب الأخروي لنعمة الغفران الإلهي. وفي العصور الوسطى أصدرت الكنيسة «صكوك الغفران»، إلا أن تلك العملية كانت الشعلةَ التي أضرمت نارَ حركة التمرّد التي تجسدت فيما بعد بالحركة الإنجيلية. وقد أدى ذلك إلى لجوء رجل الدين إلى السلاحين: سلاح التكفير وسلاح الجمع بين ما لقيصر، وما لله. ومن هنا ولدت نظرية «الحكم باسم الله» أو «الحكم بالنيابة عن الله».
رجل الدين كان يزعم أنه يمارس السلطة باسم القانون الإلهي، ويمارسها رجل إنفاذ القانون باسم قانون الدولة - الأمة. وبالنتيجة أصبح رجال الدين يجمعون بين السلطتين الدينية والدنيوية، إلى أن انقلب السحر على الساحر. ورغم فشل هذا الانقلاب في الغرب الأوروبي، جاء مَن يقلّده، أو يحاول تقليده في المشرق العربي؛ فكانت حركات التطرّف والإرهاب.
انتقلت أوروبا من أنظمة «الحكم باسم الله»، حتى إنها عندما وَضعت الدستور الموحد للاتحاد الأوروبي، حرصت على عدم ذكر الدين في أي مادة من مواده، ورفضت الاستجابة لطلبٍ من البابا يوحنا بولس الثاني، ثم من البابا بنديكتوس السادس عشر بمجرد الإشارة إلى الدين (المسيحية) في الدستور كركن من أركان هوية الاتحاد، أو حتى كجانب من جوانب ثقافته العامة.
تحوّلت كاتدرائيات عديدة إلى صالات للموسيقى ومعارض للفنون الحديثة، وانتقل العالم العربي في مواجهته لحركات التطرف الأصولي إلى تجديد الاجتهادات الفقهية حول تأكيد الحريات الدينية ومبدأ المساواة في المواطنة. وبموجب هذه التحولات الاجتهادية، لم يعد رجل الدين يلعب دورَ رجل إنفاذ القانون. وقد تجسد ذلك في «وثيقة الأخوّة الإنسانية» التي جعلت من الدين أداةً لخدمة الإنسان والعلاقات الإنسانية، وليس لخدمة المؤمنين بدين معين دون سائر الناس.
جعلت الوثيقةُ رجلَ الدين بمثابة رجل الإسعاف وطبيبَ الطوارئ. فهذا لا يسأل المريضَ عن دينه، ولكن يسأله عن مواقع الألم الذي يشكو منه، ويبحث عن مظاهر معاناته الإنسانية ليعرف كيف يساعده وكيف يسرّع شفاءَه. ويسعد الناس بحكمة رجال الدين وهم يعالجون بالأمل والرجاء أوجه الخلل في المجتمعات عبر دُور العبادة التي تتحول إلى فضاءات مفتوحة لتعزيز مشاعر الأخوّة الإنسانية ومسؤولياتها المشتركة.
كان البابا الراحل فرنسيس يقول عن الآخر: «مَن أنا حتى أحكم على ما في قلبه. إن الله وحده هو الذي يعلم الغيبَ وما تُخفي الصدور».
وإذا كان الله «قد كتب على نفسه الرحمة»، كما جاء في القرآن الكريم، فقد أرسى الحديث النبوي الشريف القاعدةَ الأسمى التي تقول: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».. والرحمة هي أسمى صفات الإيمان.
*كاتب لبناني