للمرة الأولى منذ اتفاق الطائف عام 1989، والذي أدى إلى إنهاء الحرب الأهلية في لبنان ونزع السلاح من كل الميلشيات المسلحة عدا «حزب الله»، حيث لم ينزع منه السلاح بحجة «مقاومة» إسرائيل، أصدرت الحكومة اللبنانية قراراً غير مسبوق بنزع سلاح «حزب الله»؛ فلسنوات بقي سلاح الحزب مادةً للانقسام السياسي الداخلي بين فريق رافض لسلاح الحزب وغيره من الميليشيات ويطالب بسيادة الدولة على جميع أراضيها وإمساكها بقرار الحرب والسلم، وفريق مؤيد لـ«حزب الله» يدعم تمسكه بالسلاح لمواجهة إسرائيل ولحماية لبنان! 
 لكن هل يرضخ الآن «حزب الله» لقرار حكومة لبنان بنزع سلاحه؟ وما خياراته؟لقد حددت الحكومة اللبنانية 5 سبتمبر الجاري موعداً لعرض ومناقشة الخطة التطبيقية لحصر السلاح، والتي كُلف الجيش بوضعها، وفقاً لما جاء في بند قرار مجلس الوزراء رقم 1 بتاريخ 2025/8/5. وكان رئيس وزراء لبنان، نواف سلام، قد أعلن مطلع أغسطس الماضي عن تكليف الجيش بوضع خطة تطبيقية لحصر السلاح بيده قبل نهاية العام. وجاء رد فعل «حزب الله» على قرار الحكومة عنيفاً ورافضاً نزعَ السلاح، وقال إنه سيتعامل معه «وكأنه غير موجود»، واصفاً إياه بـ«الخطيئة الكبرى». وقال أمين عام الحزب نعيم قاسم: «إن قرار الحكومة بنزع السلاح غير ميثاقي، واتخِذ تحت ضغط الإملاءات الإسرائيلية والأميركية».
بعد اتفاق الطائف تعزز وجود «حزب الله»، وحظي بالقوة السياسية والعسكرية، وعززت الحكوماتُ اللبنانية المتعاقبة من نفوذه ضمن ما عُرف بثلاثية «جيش وشعب ومقاومة». وعلى المستوى الخارجي، كان يحظى بدعم مزدوج إيراني وسوري. وعلى مدى سنوات، ظل لبنان يتعرض لضغوط دولية لحصر السلاح بيد الدولة، حيث صدر قرارُ مجلس الأمن 1559 في الثاني من سبتمبر 2004 الداعي إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، ونزع سلاح «حزب الله». كما دعا إلى حل جميع المليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها، مؤيداً بسطَ سيطرة الحكومة اللبنانية على سائر أراضيها واستعادة الحياة السياسية الطبيعية في البلاد. وتشترط الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكذلك الدول العربية، حصرَ السلاح بيد القوى الشرعية، للحصول على الدعم اللازم لتحقيق الاستقرار والازدهار في لبنان. 
من الواضح أن «حزب الله» لا يريد الدخول في مواجهة مع الجيش، وفي ذات الوقت فهو يواجه حقائق على الأرض، فالحزب اليوم أضعف ما يكون بعد حربه الأخيرة مع إسرائيل؛ حيث قُتل عدد كبير من قادته ودمرت إسرائيل جزءاً كبيراً من ترسانته العسكرية. وبات حصول الحزب على الدعم الإيراني، من مال وسلاح، أصعب ما يكون. كما تغيرت الأوضاع في سوريا بعد سقوط نظامها السابق. إن هذه التغييرات مجتمعةً فرضت على «حزب الله» مواجهةَ واقعه والرضوخ لحقيقة تغير موازين القوة الإقليمية ودوره في المعادلة اللبنانية.
 إن نزع سلاح «حزب الله» يشكل بداية نهاية مرحلة امتدت لعقود مثّل فيها الحزبُ «القوة المسلحة» المهيمنة خارج إطار الدولة، ويشكل كذلك بداية لتحول بنيوي في النظام اللبناني القائم على توازنات دقيقة بين الطوائف والمصالح الإقليمية، رغم استبعاد هذا التحول في المدى القريب نظراً للتعقيدات السياسية والأمنية، إلا أن تحققه غير مستبعد في ظل الضغوط الإقليمية المتزايدة، وتراجع قدرات الحزب التي قد تدفعه لتقديم تنازلات جزئية قد تفضي إلى تسوية الأوضاع اللبنانية ضمن صفقة إقليمية لم تتبلور بعد.

*كاتبة إماراتية