نشهد اليوم عصراً ذهبياً للشركات العملاقة، فموجة التركز الاقتصادي تجتاح المشهد، حيث أصبحت «مايكروسوفت» مؤخراً ثاني شركة تصل قيمتها السوقية إلى 4 تريليونات دولار بعد شركة «إنفيديا». ولَطالما شكّلت الشركاتُ العملاقة حصةً كبيرة من سوق العمل، لكن هيمنتها على الصناعة الأميركية ازدادت خلال الثلاثين عاماً الماضية.
ولا يقتصر الأمر على بضع شركات كبيرة متصدرة، بل قلما استطاعت الشركات الصغيرة طرحَ أسهمها للاكتتاب العام. أما الرسوم الجمركية التي تفرضها إدارة ترامب على الواردات، فعلى عكس الشركات الصغيرة، تتمتع الشركات الكبرى بوضع أفضل لاستيعاب التكاليف الإضافية بدلاً من تحميلها على عملائها.
ويفترض أن يسبب التركزُ الاقتصاديُّ القلقَ، حيث كانت الشركات الصغيرة هي المحرك الأساسي لخلق الوظائف الجديدة. كما أن الابتكار عادة ما ينبثق من الشركات الناشئة، وهو ما يُحافظ على ديناميكية الاقتصاد وتنافسيته.
صحيح أن المستهلكين يواجهون خياراتٍ أقلَّ على المستوى الوطني، لكن لا تزال هناك بدائل في الأسواق المحلية. فعادة ما يوجد متجر صغير للبيع بالتجزئة بالقرب من المتجر العملاق. وحتى في ظل بعض الأدلة على وجود ارتفاع في هوامش الأرباح، فإن أسعار الكثير من السلع والخدمات انخفضت مع ازدياد التركز، مما ساعد في كبح التضخم.
وربما تكون التكاليف على العمال والمستهلكين أقل، لأن عملية التركز قد تعكس ببساطة اقتصاداً مُتغيراً يُفضل الحجم ويُكافئ التوسع. ورغم أن هناك شيئاً مفقوداً في الاقتصاد الأكثر تركيزاً، فإن الابتكار والنمو ينبعان تقليدياً من الشركات الصغيرة، لأن الكبيرة أصبحت أكثر بيروقراطية وأبطأ استجابة للتغيير. في الواقع لا أشعر بالقلق إزاء التركيز الذي يعكس اقتصاداً متغيراً، بقدر مخاوفي من السياسات التي تُقدم دعماً للشركات الكبيرة وتُعاقب الشركات الصغيرة، وهي سياسات أصبحت أكثر انتشاراً.
ومن جهة اليسار، فإن السياسات التي تُلزم الشركات بتوفير مزايا إضافية للعاملين، تُثقل كاهل الشركات الصغيرة ذات الهوامش الربحية المحدودة. أما من جهة اليمين، فتثقل الرسومُ الجمركيةُ كاهلَ الشركات الصغيرة التي لا تملك سلاسلَ إمداد مرنة ولا تستطيع تحمل التكاليف الإضافية للرسوم الجمركية، ما يُجبرها على تمرير التكلفة إلى المستهلك النهائي.
ومع ذلك، فثمة بصيص أمل، حيث سيُتيح الذكاءُ الاصطناعي خدمات التسويق والخدمات القانونية للجميع. لكن لاستعادة المنافسة بشكل كامل، سيحتاج صانعو السياسات إلى إفساح المجال، إذ يميل كلا الحزبين إلى تكثيف جهود مكافحة الاحتكار وتفكيك الشركات بناءً على حجمها الكبير فحسب، غير أن ذلك لن يُساعد الشركات الصغيرة التي تواجه تكاليف أكبر نتيجةً للسياسات الحالية.
أليسون شراجر*
*كاتبة وزميلة بارزة في معهد مانهاتن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»