بعد مرور عشرين عاماً على اجتياح نيو أورلينز وتدمير مجتمعات ساحلية أخرى، لا يزال إعصار كاترينا يحمل دروساً جوهرية في الاستجابة للكوارث في الولايات المتحدة، بما في ذلك دروس تحذيرية، إذ قد تكون واشنطن على وشك تقليص المساعدات الفيدرالية للطوارئ. تتمحور القضية حول ما إذا كان ينبغي أن تتحمل الولايات أو الحكومة الفيدرالية مسؤوليةً أكبر في الإغاثة من الكوارث، بما في ذلك مساعدة الأشخاص الأكثر تضرراً من الأحداث مثل العواصف والفيضانات.
تزداد أهمية هذا النقاش بسبب ارتفاع تكاليف الكوارث. فقد ارتفع عدد العواصف التي تسببت في أضرار بمليارات الدولارات من ثلاث عواصف عام 1980 إلى 25 عاصفة في عام 2023. ومع ذلك، لا يزال إعصار كاترينا حتى اليوم الكارثة الطبيعية الأكثر تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، إذ تجاوزت أضراره 200 مليار دولار.
وبالنسبة للكثيرين ممن شهدوا ذلك الحدث، بدا حجم الدمار أشبه بنهاية العالم، رغم أن الأمر استغرق أياماً حتى يدرك من هم خارج نيو أورلينز حجم الكارثة. والأهم أن إعصار كاترينا لم يكشف فقط عن أوجه عدم المساواة الناجمة عن الطبقة والعرق والثروة، بل مزق الستار عنها تماماً. أدى الإعصار إلى إصلاحات في وكالة إدارة الطوارئ الفيدرالية (فيما). فقد أمر الكونجرس بأن يكون لدى مدير الوكالة خبرة في إدارة الطوارئ، إلا أن المسؤول الحالي القائم بأعمال مدير الوكالة، ديفيد ريتشاردسون، يفتقر إلى هذه الخبرة. كما تحولت بنية القيادة البيروقراطية الصارمة في الوكالة إلى نهج أكثر مرونة، يعتمد على المواطنين الأميركيين والمنظمات غير الحكومية والدينية في استجابة جماعية. وربما الأهم أن إصرار سكان نيو أورلينز على الصمود وسط المستنقعات الواسعة في لويزيانا ساعد في إطلاق حركة مقاومة وصمود امتدت إلى مدن ساحلية وبلدات على ضفاف الأنهار في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
واليوم، يوجد في 13 ولاية على الأقل مكاتب متخصصة في تعزيز القدرة على الصمود أمام الكوارث. كما اتخذت مدن ساحلية، مثل تشارلستون في ساوث كارولاينا وتامبا في فلوريدا، خطوات كبيرة للتخفيف من آثار ارتفاع مستوى سطح البحر الذي يهدد السكان. وتشير هذه الجهود إلى إرادة وطنية للتعامل مع «أسئلة صعبة حول ما نحن مستعدون لقبوله من مخاطر، إلى جانب قضية أساسية تتعلق بالارتباط العميق للناس بأماكنهم»، وفقاً لـ«جافين سميث»، خبير التعافي من الكوارث في جامعة ولاية نورث كارولاينا.
وبعد انتقاد الاستجابة الفيدرالية لإعصار هيلين في أكتوبر الماضي، جعلت إدارة ترامب إصلاح استجابة الطوارئ أولوية لها، مع السعي لتقليص الدور الفيدرالي لصالح تعزيز قدرات الولايات. ويتضمن مشروع قانون في الكونجرس بنداً ينص على أن الوكالة ستغطي 85% من تكاليف التعافي إذا استثمرت الولايات في إجراءات التخفيف من الكوارث، بينما ستنخفض نسبة التعويض إلى 65% في حال عدم قيامها بهذه التحسينات.
وفي جلسة استماع في الكونجرس في يوليو، دافع ريتشاردسون عن استجابة الوكالة للفيضانات القاتلة في منطقة تلال تكساس، واصفاً إياها بأنها نموذج يمنح السيطرة المالية واللوجستية للولايات. لكن المنتقدين قالوا إن الوكالة استغرقت أكثر من 72 ساعة لحشد فرق البحث والإنقاذ، كما افتقرت إلى دعم مراكز الاتصالات. وردت وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، بأن جهود تكساس جعلت الفرق الفيدرالية غير ضرورية، ووصفت تقارير مراكز الاتصال بأنها «أخبار كاذبة». وبعد سلسلة من الأعاصير في أركنساس هذا الربيع، رفضت الإدارة في البداية إعلان حالة الطوارئ لتقديم المساعدة، لكنها وافقت عليه بعد شهر.
وأثارت هذه الوقائع مخاوف بشأن حدود النهج الفيدرالي الأكثر تراجعاً، والذي قد لا يراعي الفوارق الكبيرة في الموارد والقدرات بين الولايات. ومؤخراً، نشر عشرات الموظفين الحاليين والسابقين في «فيما» رسالة تشير إلى أن سوء الإدارة في الوكالة يهدد بوقوع كارثة جديدة بحجم كاترينا. وتم وضع عدد من هؤلاء الموظفين في إجازة إدارية لاحقاً، فيما تعهدت نويم، متبعةً نهج الرئيس ترامب، بالقضاء على الوكالة «بصورتها الحالية» وتحسين إدارة الطوارئ في الولايات المتحدة. و
وفقاً لتغييرات التكاليف التي تقترحها إدارة ترامب، كانت فلوريدا ستتحمل 563 مليون دولار إضافية بعد إعصاري «إيان» و«نيكول» في عام 2022، أي ما يعادل نحو 21% من صندوق الطوارئ في الولاية. أما لويزيانا، فكان صندوقها بأكمله سيتبخر لولا تمويل «فيما» لسلسلة عواصف في عامي 2020 و2021. يقول البروفيسور كلارك-جينسبيرج: «الفكرة الأساسية المستفادة من كاترينا هي ألا ننعزل، بل نعمل معاً لتقليل المخاطر وتحسين الاستعداد لنتعافى سوياً.
لكن الجانب السلبي أن مفهوم الصمود قد يتحول أحياناً إلى ذريعة للتخلي عن الدعم، أي القول إن الكوارث تحدث وعليكم الاعتماد على أنفسكم للبقاء». تتكيف الولايات مع هذا الواقع الجديد، إذ تدرس ولاية نورث كارولاينا إنشاء مكتب مركزي جديد للاستجابة للطوارئ، وهي خطوة كبيرة لأن الولاية لطالما كانت في طليعة سياسات الإغاثة منذ إعصار فلويد عام 1998. كما عززت تكساس بنيتها التحتية للاستجابة للكوارث بعد سلسلة من الأعاصير والعواصف الثلجية. وفي العام الماضي، بدأت جورجيا استكشافَ فكرة إنشاء مكتب للصمود، مستفيدةً من تجارب أخرى لتحسين إدارة مياه الأمطار في مواجهة ارتفاع منسوب البحار.
وفي لويزيانا، التي حددت ملامح هذه الجهود بعد كاترينا، تم إنشاء هيئة حماية واستعادة السواحل، كما كانت نيو أورلينز رائدة في إنشاء منصب مسؤول الصمود ومكتب للحد من المخاطر. والسؤال الأهم الآن هو: هل ستتمكن الولايات من تحمل التكاليف؟ ما يزيد الأمر تعقيداً أن مركز الثقل الديموغرافي للولايات المتحدة بدأ يميل جنوباً، مما يضع الناس ومنازلهم في مناطق معرضة للأعاصير وغيرها من الظواهر الجوية الشديدة.
فمنذ عام 2015، تلقت تكساس ولويزيانا وفلوريدا، وهي ولايات جنوبية يقودها الجمهوريون، أكثر من 2 مليار دولار لكل منها من المساعدات الفردية من «فيما». يقول «نيل مالهوترا»، خبير اقتصادي بجامعة ستانفورد: «حتى لو لم يكن المناخ يتغير وظلت معدلات الكوارث ثابتة، فإن تكلفة التعامل مع الاستثمارات في المناطق عالية المخاطر ستظل مرتفعة، بسبب النمو السكاني وتكاليف البناء».
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينش مونيتور