تبدو المؤشرات الاقتصادية الأميركية مشرقةً من الناحية النظرية، حيث أظهرت أحدث أرقام الناتج المحلي الإجمالي نمواً بنسبة 3.3% في الربع الثاني من العام الحالي، وارتفاعاً في الاستثمارات، واستقراراً في معدلات البطالة عند مستويات منخفضة، إلى جانب تضخم ضمن الحدود المعقولة. إلا أن هناك تساؤلاً مزعجاً: كيف لاقتصادٍ بهذه القوة أن يُشعر الأميركيين بقدر كبير من عدم التفاؤل؟ لقد نما الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بأكثر من 50% منذ أدنى مستوى للركود الأخير في عام 2020، بمعدل نمو ربع سنوي يفوق 7%. وارتفعت الأجور الحقيقية المتوسطة بنسبة 5% منذ عام 2022، بعد سنوات من عدم مواكبة التضخم. واستقر معدل البطالة عند 4.5% منذ 2021، وكان هناك نقص في العمالة وسوق عمل نشط للغاية خلال تلك الفترة. كما ارتفع مؤشر الأسهم الرئيسي «ستاندرد آند بورز» بأكثر من 140% منذ نهاية الركود.
وأخيراً، دخل المستهلك الأميركي فترة الازدهار بوضع جيد، حيث كانت ميزانيات الأسر أكثر صحةً مما كانت عليه منذ عقود. ومع ذلك، لطالما بدت هذه الطفرة مروعةً. ولسنوات، انتشرت الأقاويل حول مدى سوء الأوضاع، وقد تكون فترة «الانهيار التذبذبي» التي شهدها عام 2022 أسوأ ازدهار جيد في التاريخ. وما جعل هذا الازدهار مختلفاً عن سابقيه هو أولا عودة التضخم؛ فبعد أن كان خامداً لنحو 40 عاماً، عاد التضخم بقوة عام 2021. وخلال السنوات الأولى من الازدهار، عانى كثير من الأميركيين من انخفاض فعلي في أجورهم. وحتى الآن، لم تعد الأجور الحقيقية إلى مستوى عام 2020. قد يكون التضخم أقلّ اليوم، لكنه ما يزال أعلى مما اعتاد عليه الأميركيون، حيث ارتفعت الأسعار. كما يشهد التضخم حالةً من عدم اليقين. وفي البداية، توقع المواطنون أن التضخم سينتهي بركود، لأن هذا ما يحدث عادةً، سواء بسبب رفع البنك الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة أو بسبب الضرر الذي يسببه التضخمُ نفسُه. لكن التضخم تراجع ولم يحدث الركود. ولا يتعلق الأمر بالتضخم وحده، فبعضه نابع من تغييرات هيكلية كبرى في الاقتصاد، وكلما زادت حالة عدم اليقين، شعر المواطنون الأميركيون بأن أوضاعهم أسوأ.
فالذكاء الاصطناعي برز كقوة جديدة في الاقتصاد، ورفع من قيمة سوق الأسهم، لكنه في الوقت ذاته غير طبيعة العمل وهدد بإلغاء وظائف. كذلك قد يؤدي فرض الرسوم الجمركية والتحولات في النظام التجاري العالمي إلى زيادة الأسعار وإضعاف استقرار الاقتصاد. وهناك عامل آخر، ألا وهو الميل البشري الطبيعي للسلبية، فطوال فترة الازدهار، أظهرت الاستطلاعات أن الأفراد يشعرون بالرضا عن أوضاعهم الاقتصادية الشخصية، لكنهم يرون الاقتصادَ الكلي في صورة قاتمة. وهناك أيضاً البعد السياسي، إذ بات الأميركيون ينظرون للاقتصاد من منظور حزبي، فإذا لم يكن حزبهم المفضل في السلطة، تضاءلت ثقتهم بالاقتصاد.وبالطبع، هناك أرقام مثيرة للقلق، وكما يقول خبراء الاقتصاد، هناك أخبار سيئة دوماً إذا بحثتَ عنها. فأسعار الفائدة طويلة الأجل أعلى، وليس هناك ما يشير إلى أنها ستنخفض.
وهناك مؤشرات على عودة التضخم وركود سوق العمل. ولا يجد الكثيرُ من الشباب، لاسيما خريجو الجامعات الجدد، وظائف، مع انخفاض عدد الشركات التي توظف. كما أصبحت القدرة على تحمل تكاليف السكن مشكلةً كبيرةً مع ارتفاع أسعار الفائدة، ونقص المساكن يجعل الاقتصادَ أقل مرونةً وحيويةً. ويخشى بعض المستثمرين أن السوق الصاعدة للأسهم أصبحت هشةً، وهناك مديونيات تتشكل في القطاع المالي.
وبدأ المستهلكون في إنفاق ما تبقى من أموال التحفيز التي حصلوا عليها خلال الجائحة، وها هم يعودون مجدداً إلى الاستدانة، مع تزايد حالات تعثر السداد. كل ذلك قد يكون مؤشراتٍ على ركود قادم، لكن لا يمكن التنبؤ بالمستقبل. وما يعرفه الاقتصاديون هو أن الازدهار لا ينتهي من تلقاء نفسه، بل غالباً ما يُغتال بفعل صدمة اقتصادية كبيرة، غالباً في أسواق الديون. ولا يمكن للوضع الحالي التنبؤ بحدوث صدمة، لكنه يوضح مدى قدرة الاقتصاد على تحملها إذا وقعت.
ورغم أن الاقتصاد الأميركي ما زال مزدهراً، فإنه يبدو اليوم أكثر هشاشةً مما كان قبل بضعة فصول. لقد كان ازدهاراً غريباً بالفعل، حيث بدا سيئاً في بدايته بسبب الأضرار التي ألحقها التضخم، ويبدو سيئاً الآن بسبب تدهور بعض المؤشرات المهمة. إلا أن ذلك لا يعني أن الولايات المتحدة تتجه إلى ركود أو كساد. بل قد يعيد الاقتصادُ الأميركي تشكيل نفسه حول وضع طبيعي جديد، مع تضخم أعلى وأسعار فائدة أغلى، وهذا الأمر يبدو غريباً.
*كاتبة متخصصة في الشؤون الاقتصادية.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»