مع ظهور سلسلة مؤشرات إيجابية، يضاعف الاقتصاد المصري نموَّ ناتجه المحلي الإجمالي من 2.4 في المئة خلال السنة المالية 2023–2024، إلى 4.5 في المئة خلال السنة المالية 2024–2025 التي انتهت في يونيو الماضي، وذلك وفق إعلان وزير المالية أحمد كوجك. فيما توقعت وكالة «فيتش» الدولية للتصنيف الائتماني تسارع النمو بما يتجاوز مستهدفات الحكومة خلال السنة المالية 2025–2026، مرجحةً أن يصل إلى 5 في المئة، وأن يتراوح بين 4.3 في المئة و5 في المئة، كمتوسط للنمو سنوياً، خلال الفترة من 2027 إلى 2034.
ورغم تداعيات التوترات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، سجلت مصر بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، تقدماً في مسار الإصلاح الهيكلي الذي بدأته منذ ثلاث سنوات، باعتباره خياراً استراتيجياً لا يمكن التراجع عنه. وكذلك على رغم تعرضها لضغوط اقتصادية ناجمة عن تحرير سعر الصرف والسير في تطبيق «التعويم» في مارس 2024، برزت قوة الجنيه، مسجلاً تحسناً مقابلَ الدولار الذي انخفض سعره من 54 إلى 48 جنيهاً.
أما الأسباب فقد لخصها الخبراء بثلاثة رئيسة، وهي: تراجع العملة الأميركية عالمياً، زيادة الإيرادات من الدولار محلياً، وتطور نظرة المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري.
وبالأرقام، فقد سجلت تدفقات العملات الأجنبية، خلال الأشهر التسعة الماضي،ة أكثر من 85 مليار دولار، من التحويلات والصادرات والسياحة وقناة السويس والاستثمار الأجنبي المباشر، إضافة إلى انتعاش قوي في تدفقات المحافظ الاستثمارية. مما ساهم في ارتفاع احتياطي البنك المركزي إلى 49 مليار دولار، ووفر السيولة الدولارية لدى البنوك، وهو مؤشر جيد جداً على النظرة المستقبلية، لقوة القطاع المصرفي وقدرته على تلبية جميع حاجات العملات الأجنبية.وفي هذا السياق، يرى البنك العالمي «غولدمان ساكس» أن العملة المصرية لا تزال مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية بصورة كبيرة، وهي تعد حالياً ثاني أكثر العملات المقومة بأقل من قيمتها بين عملات الأسواق الناشئة، وتوقع أن يظل الجنيه مقوماً بأقل من قيمته بنسبة 25 في المئة على مدى 12 شهراً القادمة. ويبدو أنه من هنا جاء تفاؤل رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري، فخري الفقي، بتراجع سعر الدولار على نحو تدريجي خلال السنة المالية 2025–2026، ليصل إلى أقل من 40 جنيهاً. ويرى الفقي «أن حساب سعر الصرف في أية دولة يتم عبر طريقين، الأولى من خلال العرض والطلب، بينما الطريقة الثانية، عبر قياس السعر الحقيقي للعملة، وهو مؤشر يقيس مدى قوة اقتصاد الدولة بوجه عام، ويربط سعر العملة المحلية بسعر عملات أكبر 18 شريكاً تجارياً لمصر». لكن بعض الخبراء يستبعدون هذا الارتفاع الكبير المتوقع لسعر الجنيه، ويعتبرون أنه ليس في مصلحة الاقتصاد المصري.
وفي ضوء تقييم هذه التطورات، قرر البنك المركزي المصري خفضَ أسعار الفائدة المصرفية بواقع 200 نقطة أساس (اثنان في المئة) في 28 أغسطس الماضي لتتراوح بين 22 في المئة على الإيداع و23 في المئة على الإقراض. مع العلم بأنها كانت في مارس 2024 تتراوح بين 27.25 في المئة و28.25 في المئة. ومن الطبيعي أن يساهم هذا الانخفاض في تراجع تكلفة خدمة الدين العام المصري والتي قدرت في موازنة السنة المالية 2025–2026 بنحو 42 مليار دولار، وتمثل 63.6 في المئة من الإيرادات، ونحو 30.9 في المئة من الموازنة الكلية. ولذلك فقد توقع صندوق النقد الدولي قفزة في الدين الخارجي بنهاية العام المالي الحالي، ليصل إلى 180.6 مليار دولار، مقارنةً بنحو 162 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية