لم تكن صورة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينج لتصبح حديثَ العالم في الظروف العادية. لكن هذا ما حدث بالفعل خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون التي عُقدت قبل عشرة أيام من الآن في تيانجين بالصين، حيث التقطت صورةٌ جمعت القادة الثلاثة مبتسمين معاً، رغم التوترات القائمة بين كل من بلدانهم والولايات المتحدة.
ولطالما شابَ التوترُ علاقات روسيا والصين مع الولايات المتحدة عبر الإدارات الأميركية المتعاقبة. لكن ما أثار الدهشةَ هو وجود مودي في هذه الصورة الودية، وهو ما فتح البابَ لتحليلات واسعة حول دلالاتها.
وجاء الاجتماع في وقت تراجعت فيه علاقات الهند مع الولايات المتحدة بشكل حاد بسبب سلسلة من الخلافات، بدءاً من استياء الرئيس دونالد ترامب من الهند لأسباب متعددة، وصولاً إلى فرضه رسوماً جمركيةً كبيرة (بنسبة 50%) مستخدماً السياسات التجارية كسلاح سياسي ضد شراء الهند النفطَ الروسي بأسعار مخفضة. وكانت مطالب الولايات المتحدة من الهند متعددة، بدءاً من مطالبتها بالتوقف عن شراء النفط الروسي، وصولاً إلى مطالبتها بالانسحاب من مجموعة دول «البريكس» التي تضم الصين وروسيا أيضاً.
لكن الهند رفضت هذه الضغوط حتى الآن. ويرجع ذلك إلى سياسة الاستقلال الاستراتيجي التي تتبناها الهندُ كنهج راسخ لا تراجع عنه، والتي تشمل علاقات جيدةً مع العديد من الدول حول العالم. فرغم تقاربها مع الولايات المتحدة، واصلت الهندُ تعزيزَ علاقاتِها مع العديد من الدول الأخرى، بما في ذلك روسيا وإيران. وهذه السياسة مستمدة من ماضيها غير المنحاز، حيث رفضت الانضمامَ إلى أي من معسكريْ الحرب الباردة. ولهذا السبب، لم تُصبح الهندُ حليفاً رسمياً للولايات المتحدة، على الرغم من تعمق علاقاتهما على مدى أكثر من عقد من الزمان.
لكن هذه العلاقات تقف الآن عند مفترق طرق، حيث واصل الرئيس ترامب، وأعضاء آخرون في إدارته، انتقادَ الهند لاستمرارها في شراء النفط الروسي. وصرح وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، مطالباً الهندَ بـ«التوقف عن كونها جزءاً من مجموعة البريكس». ولم يكن لكل هذا تأثير يُذكر على الهند حتى الآن، إذ لم تكتفِ بالقول إنها لن تتوقف عن شراء النفط من روسيا، بل ألمحت أيضاً إلى استقرار العلاقات مع الصين. وفي الواقع، فقد تسارعت وتيرةُ الاجتماعات بين الهند والصين، وهو ما لم يمر مرور الكرام في الولايات المتحدة.
لطالما اعتُبرت منظمة شنغهاي للتعاون تجمعاً للدول الأوراسية التي تسعى إلى إيجاد بديل للنظام الغربي، على غرار مجموعة البريكس للاقتصادات الناشئة. وفي قمة تيانجين، ركزت المناقشاتُ أيضاً على إصلاح المنظمات العالمية متعددة الأطراف، ومكافحة الإرهاب، والسلام والأمن، والتعاون الاقتصادي، والتنمية المستدامة. واعتمد قادة المجموعة إعلاناً من أجل نظام متعدد الأقطاب يتمحور حول الأمم المتحدة. كما أصدروا استراتيجية 2035 للأمن والتنمية، والتي تحدد أجندةَ العقد المقبل. وأعلن الرئيس «شي» أن الصين ستقدم قروضاً بقيمة 1.4 مليار دولار لأعضاء رابطة البنوك التابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون، وسعى أيضاً إلى إنشاء بنك التنمية التابع للمجموعة في أقرب وقت ممكن.
وبرزت منظمة شنغهاي للتعاون كتجمع اقتصادي وأمني مهم يربط آسيا بآسيا الوسطى. وتوسعت المنظمة لتشمل الهند وباكستان اللتين أصبحتا عضوين كاملي العضوية في عام 2017. والآن، من المقرر أن تتوسع المنظمة مرة أخرى لتشمل إيران وبيلاروسيا. وبالنسبة للهند، يُمثل تزامن قيادتها لمجموعتي البريكس وشنغهاي للتعاون فرصةً للدفع بعجلة القضايا العالمية، وخاصةً تلك التي تواجه العالم النامي، وتسليط الضوء عليها. وهو ما يمثل فرصة لإظهار قدرة نيودلهي على التعامل مع السيناريوهات العالمية المعقدة. ورغم قربها من الغرب، واصلت الهندُ التعاملَ التجاري مع روسيا، رافضةً انتقادَها داخل الأمم المتحدة. أما بالنسبة لروسيا، فقد مثّلت مجموعة شنغهاي شريانَ حياة حتى في ظل سعي العالم الغربي لعزلها بسبب الحرب في أوكرانيا. وأعلن الرئيس بوتين عن عقد اجتماع لمجلس رؤساء حكومات هذه المجموعة في موسكو، في نوفمبر المقبل، متمنياً النجاحَ لقيرغيزستان التي تتولى رئاسة المجموعة.
ولا شك في أن العالم يمر بمرحلة من التحولات العميقة، وأن مجموعات مثل منظمة شنغهاي و«بريكس» أصبحت أكثرَ أهميةً، إذ تعكس وجهةَ نظر الدول الصاعدة والنامية التي تفتقر إلى منابر أخرى للتعبير عن مواقفها. ومن الواضح أن زمن التغير العالمي الكبير قد بدأ. لكن بالنسبة للهند، فإنها لا تزال متمسكةً بسياستها الراسخة في الاستقلالية الاستراتيجية، وهي سياسة أثبتت نجاحَها حتى الآن. وعلى الرغم من التوتر في العلاقات مع واشنطن، يصر رئيس الوزراء مودي على أن الجانبين «تجمعهما شراكة استراتيجية شاملة وإيجابية تنظر إلى المستقبل».
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي