يسود التشاؤم بين العمال الأميركيين هذه الأيام، فسوق العمل التي تتباطأ تدريجياً، وتحديات القدرة على تحمّل تكاليف المعيشة المتزايدة، تجعل الكثيرين يشعرون بأن التقدّم في هذا المجال بات مستحيلاً. وعلى عكس خبرتنا خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية، فإن مجرد دَفعة في سوق العمل لن تكون كافية بالضرورة هذه المرة.

ففي الإسكان ومجالات أخرى، يحتاج العمالُ إلى زيادة العرض وخفض الأسعار، وهو أمر لا يتحقق بمجرد إضافة المزيد من الوظائف.لا يعكس معدل البطالة المنخفض حتى الآن التشاؤمَ بين العمال. فشعور الناس تجاه سوق العمل يعتمد على تجربتهم المباشرة فيه، وكيف تشكل تلك التجربة توقعاتهم للمستقبل.

وعلى هذا الأساس، هناك ما يدعو للقلق. فقد بلغ معدل توظيف العمال بين سن الـ25 والـ54 ذروتَه قبل عام. كما أن وتيرة التوظيف من قبل الشركات ظلت منخفضةً منذ أواخر عام 2023، وهو ما ينعكس في تقرير ثقة المستهلك الشهري الصادر عن «كونفرنس بورد»، حيث أفاد 20% من المشاركين بصعوبة الحصول على وظائف.

في يوليو الماضي، تجاوز عددُ العاطلين عن العمل عددَ الوظائف الشاغرة في الاقتصاد لأول مرة منذ عام 2021. وهذا يزيدُ مِن احتمالية أن يصبح أصحابُ العمل أكثر استعداداً لتسريح العمال، إذ ستتسنى لهم إعادة توظيفهم عند الحاجة بسهولة أكبر مما كان عليه الحال خلال السنوات القليلة الماضية. من المنطقي أن يشعر العاملون في القوى العاملة بالقلق بشأن أمنهم الوظيفي، وصعوبة إيجاد وظيفة جديدة في حال تقليص أدوارهم الحالية. حتى لو كنا عند أدنى مستوى في اتجاهات التوظيف (ربما ستوظف الشركاتُ المزيد بمجرد انتهاء حالة عدم اليقين بشأن التعريفات، ومع إقرار مشروع القانون الكبير والجميل)، فإن التحديات الأخرى التي يواجهها العمالُ لن تُحل فعلياً.

هذا تغيير عن العقدين الأولين من القرن الـ21. في ذلك الوقت، كلما كان سوق العمل ضعيفاً، كان ذلك عادةً في بيئة تتسم بانخفاض التضخم وانخفاض أسعار الفائدة والقدرة على تحمّل تكاليف السكن. وأي زيادة في خلق الوظائف كانت تُتَرجم سريعاً إلى دَفعة لسوق الإسكان وزيادةٍ في الاستهلاك عموماً، ما يخلق دورةً اقتصادية إيجابية.

يشهد سوق العمل في الوقت الحالي تباطؤاً تدريجياً في ظل ارتفاع معدلات التضخم وأسعار الفائدة وضعف القدرة على تحمل تكاليف السكن. ويُعزى الفضل في تحقيق بعض التقدم في خفض معدلات التضخم وأسعار الفائدة جزئياً إلى تدهور آفاق التوظيف. وقد صرّح رئيسُ مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، في جاكسون هول، بأن «المخاطر على التوظيف قد تستدعي تعديلاً في السياسة النقدية».

بمعنى آخر، فإن القلق بشأن تدهور سوق العمل هو ما دفع الاحتياطي الفيدرالي إلى دراسة خفض أسعار الفائدة، رغم أن التضخم أعلى من هدفه البالغ 2%. ومع ذلك، من المرجح أن يؤدي انتعاش سوق العمل إلى ارتفاع طفيف في التضخم، وأن يلغي الحاجة إلى تيسير أسعار الفائدة. بل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة طويلة الأجل، والأهم من ذلك؛ أسعار الرهن العقاري. وبعيداً عن مسألة القدرة على تحمّل التكاليف، يواجه العمالُ كذلك حالةً من عدم اليقين بشأن مسار الذكاء الاصطناعي.

فإذا كانت مئات مليارات الدولارات التي تُنفق على الذكاء الاصطناعي استثماراً جيداً، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى إزاحة الكثير من العمال، من مهندسي البرمجيات والمحامين إلى موظفي خدمة العملاء. وإذا لم يكن هذا الإنفاق استخداماً جيداً للموارد، فمن المحتمل أن نشهد انفجارَ فقاعةٍ يدفع الاقتصادَ إلى الركود.

وبين تأثيرات الإسكان وتأثيرات الذكاء الاصطناعي على مكان العمل، فإن ملفَّ القدرة على تحمّل تكاليف السكن هو الذي يُرجَّح أن يتضح أولاً. فالاتجاه العام يشير إلى عودة سوق السكن إلى التوازن، حتى وإن كان بوتيرة بطيئة. فزيادة المعروض، وركود أو انخفاض أسعار المنازل في معظم أنحاء البلاد، مع استمرار نمو الأجور، تعني أن السوق تتحرك في مصلحة المشترين.

أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فمن الصعب تقدير موعد التوصل إلى بعض الوضوح بشأنه، لكن من غير المرجح أن نبقى طويلاً في بيئة من الاستثمارات الضخمة مع مستويات منخفضة من عمليات التسريح. وفي ظل الظروف الحالية، سيواصل العمال الذين يعانون من ضغوط القدرة على تحمّل تكاليف الإنفاق على الأساسيات والاحتياجات اليومية، لكن التشاؤم بشأن المستقبل سيكون من الصعب التغلب عليه.

كونور سين*

*كاتب أميركي.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»