بينما يواصل الرئيس دونالد ترامب الحديث عن إرسال عملاء فيدراليين، وربما قوات من الحرس الوطني - إلى شوارع شيكاغو ومدن أميركية أخرى، يصف كثير من السياسيين «الديمقراطيين» ما يحدث باعتباره «محاولة خطيرة للاستيلاء على السلطة».
لكن ما يفعله ترامب في المدن ليس مجرد تجاوز بحق الديمقراطية أو الفيدرالية أو الدستور.. بل ينظر إليه معارضوه على أنه خطر مباشر. من خلال إرسال قوات وموظفين من وكالات فيدرالية متعددة، لأداء مهام شرطة الدوريات، يُدخل ترامب عنصراً غير متوقع في إنفاذ القانون المحلي. وهذا يمثل خطراً على السلامة العامة.
يقول «فيليب أتيبا سولومون»، المؤسس المشارك لمركز المساواة في الشرطة وأستاذ الدراسات الأميركية الأفريقية وعلم النفس في جامعة ييل: «لا يوجد سيناريو نستمر فيه بهذا الشكل دون أن يلقى شخص ما حتفه، نتيجةً للارتباك والفوضى المُصطنعين، الناتجين مباشرةً عن تدخّل أجهزة إنفاذ القانون الفيدرالية في أماكن تجهل خصائصها ولم تسع للثقة مع مجتمعاتها». لكن ماذا لو أطلق شرطي محلي النار على عميل فيدرالي مُقنع، ظناً منه أنه مجرم، دون علمه بأن هناك عملية فيدرالية لإنفاذ قوانين الهجرة في أحد الأحياء؟
ماذا سيحدث لو ردّ العميل الفيدرالي بإطلاق النار؟ ماذا لو وقع مدنيون في مرمى النيران؟ من سيكون المخطئ؟ وقد ظهرت مؤخراً إحدى المشكلات الكبرى هي غياب التواصل بين الوكالات الحكومية المختلفة؛ ففي مؤتمر صحفي، أوضح حاكم ولاية إلينوي «جيه. بي. بريتزكر»، برفقة عمدة شيكاغو «براندون جونسون»، أنهما اضطرا للاعتماد على «مسؤولين وطنيين غير مخولين داخل الحكومة» و«صحافيين مطلعين» لفهم ما تخطط له إدارة ترامب في حملتها على الجريمة في الشوارع وعلى المهاجرين غير الشرعيين في ثالث أكبر مدينة أميركية. وقال: «أصبح التمييز بين الحقيقة والخيال صعباً بشكل متزايد، لأن إدارة ترامب لا تعمل بالتنسيق مع مدينة شيكاغو أو مقاطعة كوك أو ولاية إلينوي»، مضيفاً أن «مكافحة الجريمة تتطلب التنسيق».
وترددت أصداء كلماته مع ما قالته عمدة لوس أنجلوس «كارين باس»، التي كررت خلال الصيف أن «الديمقراطيين» في كاليفورنيا كانوا «يحكمون من خلال الشائعات»، محاولين معرفةَ أي الوكالات الفيدرالية تعمل في المدينة، وعدد قوات مشاة البحرية وقوات الحرس الوطني المنتشرة، وما مهمتهم، وكم ستستغرق. وهناك مشكلة أخرى، تفاقمت بسبب نقص التواصل والتنسيق، وهي أن وكالات إنفاذ القانون المختلفة تتبع بروتوكولات ومعايير تدريب مختلفة، تشمل كل شيء: من توقيت السماح بالمطاردة بالسيارات إلى مسألة إخفاء الهوية، وهو أمر يُسمح به لعملاء الهجرة الفيدراليين بينما غالباً لا يُسمح به لشرطة المدن.
وعندما لا يعرف السكان ما يتوقعونه من أجهزة إنفاذ القانون، يمكن أن تنشأ مواقف خطيرة. وقد حدث ذلك بالفعل في جنوب كاليفورنيا. ففي الشهر الماضي، أجبر عملاء مقنّعون من وكالة الهجرة والجمارك السائق «فرانسيسكو لونجوريا» على التوقف، وحطموا نافذة شاحنته، وكما أظهر فيديو التقطه شاهد، بدا أنهم أطلقوا النار عليه بينما كان يقود بعيداً. مثل هذه الأساليب تتعارض مع الجهود التي بذلتها العديد من أقسام الشرطة في المدن خلال السنوات الأخيرة لإصلاح العلاقات المتوترة مع السكان.
فالضباط الآن مطالبون بارتداء كاميرات على أجسامهم لتوفير قدر أكبر من الشفافية، وللالتزام بقواعد أكثر صرامة بشأن استخدام القوة، وبالخضوع لمزيد من التدريب. لكن إدارة ترامب تقوم بتخفيض معايير التدريب للموظفين الجدد. وفي سعيها الحثيث لتوظيف 10 آلاف عميل إضافي، للمساعدة في عمليات الترحيل الجماعي، ألغت وكالة الهجرة والجمارك شرطَ تعلم الإسبانية، ما اختصر فترة التدريب بخمسة أسابيع. كما بدأت في السماح بتقديم طلبات من عمر 18 عاماً، بعدما كان الحد الأدنى 21 عاماً.
ويسعى مكتب التحقيقات الفيدرالي لاتباع النهج نفسه بخطة يدفع بها مدير الوكالة، كاش باتيل. لن يحتاج الموظفون الجدد إلى شهادات جامعية، وسيخضعون لتدريب مدته ثمانية أسابيع فقط، بدلاً من 18 أسبوعاً، مع تحول مهام الوكالة من التحقيقات الأمنية الوطنية إلى مكافحة الجريمة في الشوارع، كجزء من عمليات مثل تلك الجارية في واشنطن. سيجادل ترامب بأن ما يفعله ضروري للحد من الجريمة.
وبالفعل، من خلال إغراق واشنطن العاصمة بالعملاء الفيدراليين والقوات، تحقق بعض النجاحات القصيرة الأمد، بما في ذلك انخفاض ملحوظ في عمليات سرقة السيارات. حتى العمدة «موريل باوزر» أقرت بذلك، وأصدرت أمراً تنفيذياً يلزم الشرطة المحلية بالتعاون مع إنفاذ القانون الفيدرالي إلى أجل غير مسمى. لكن المدعي العام المنتخب لواشنطن، برايان شوالب، رفع دعوى قضائية ضد إدارة ترامب بشأن نشر الحرس الوطني، معتبراً أن إشراك الجيش في إنفاذ القانون المدني «خطير وضار».
وتردد صدى كلماته مع صدى كلمات جونسون، الذي وقع مؤخراً أمراً تنفيذياً يمنع شرطة شيكاغو من التعاون مع الحرس الوطني أو العملاء الفيدراليين إذا أرسلهم ترامب. فماذا ستفعل مدن «ديمقراطية» أخرى إذا استهدفتها إجراءات ترامب الجديدة؟ هناك عُمد وحكام «ديمقراطيون» عديدون لديهم حجج قانونية قوية لمقاومة إجراءات ترامب، ودوافع كثيرة لتعزيز مكانتهم السياسية بالتصدي له. *كاتبة أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»