في سياق الحديث عن ابتكار خط فكري خاص بالعالم العربي، من المطلوب أن يكون ذلك الخط الفكري نابعاً من الواقع العربي ويتقبله ذلك الواقع، وهذه مسألة لا يمكن لمفكر واحد أن يقوم بها بمفرده، وأن تنطوي في ثنايا مضامينها على شروط تحققه على مستوى مجتمعات العالم العربي بمجملها، وبغير هذا المنهج سيبقى ما هو مقترح مجرد طرح خالٍ من المضمون، ولا معنى له، في حين أن الواقع سيبقى راكداً.
لقد تكوّنت أفكارنا حول عدم صلاحية الأفكار الدخيلة على الواقع العربي مما هو قائم من جمود حالياً وعدم القدرة على الاضطلاع بمعالجة معضلات التنمية، فهو واقع لم يشهد بعد قيام تنمية تنقظ العالم العربي من براثن أعراض اللا تنمية. والأنكى والأمر هو أن الأوضاع القائمة لا تنبئ بظهور قوى فكرية تبعث على التفاؤل، بأن يتم التوصل إلى فكر تنموي عربي خالص.
إن عدم قدرة مفكري العالم العربي في وقتنا الحاضر على ابتكار فكر تنموي حديث يجمع بين أصالة التراث والحداثة ليس بالأمر الجديد، وهو محل نقاش مستفيض منذ بزوغ عصر النهضة، وهي ليست بالمدة القصيرة وقد تجدد منذ أن اكتشف العرب المعاصرون بأنهم يسيرون على خطى غير صحيحة باستعانتهم بتجارب غيرهم وإدخالها عنوة إلى مجتمعاتهم وزرعها في تربة غير تربتها. وقد يعود السبب في ذلك إلى أن أحوال العرب مضطربة. لقد مر العالم العربي بمراحل فرضت عليه فيها تبعية، كرست فيه نزعات تشرذمية وولدت في أرجائه عزلة اجتماعية أفضت إلى أنماط من التأخر الحضاري. إذا ما استثنينا دول مجلس التعاون الخليجي سنلاحظ بأن معظم مجتمعات العالم العربي في مرحلة متأخرة من تحقيق التنمية الشاملة المستدامة، وهذا ينطوي على عوامل ضعف ربما تؤدي مستقبلاً إلى انهيار أركان الدولة - الوطنية لديها.
ويأتي استثناء دول مجلس التعاون ليس لأنها وصلت إلى نهاية مساراتها التنموية، ولكن لأنها تعمل جاهدة على تحقيق ذلك مستغلة ما لديها من إمكانيات مادية ومعنوية بحكمة واقتدار وتقودها قيادات أثبتت بأنها قادرة وراغبة ومخلصة في تسخير الإمكانيات المتاحة لتحقيق أهداف ومقاصد التنمية. وفي الوقت نفسه، لدى العالم العربي عوامل قوته، لكن إمكانياته ومكامن قوته غير مستغلة بأفضل الطرق الممكنة.
عوامل القوة وعوامل الضعف أمران يحددان فكرة جوهرية هي أن المطلوب هو تحقيق تنمية ذاتية خاصة بالعالم العربي وليس بغيره. المطلوب هو تحقيق تنمية تصلح لجماعة بشرية محددة في زمان ومكان محددين، هي الجماعة العربية المعاصرة التي تعيش على رقعة العالم العربي. ولكي نتمكن من الدلو بدلونا في تقديم أنموذج فكري جديد خاص بهذه الجماعة بما يحقق لها التنمية لا بد من تعريف عاملي القوة والضعف.
عوامل الضعف العربية تتجسد في غياب الاستراتيجية القيادية التي تبتعد عن استجلاب النماذج الفكرية الخارجية لتطبيقها في الدول التي تقودها، وما يترتب على ذلك من إخفاقات مدمرة. أما عوامل القوة فتتجسد في وجود الإمكانات المالية المجزية لدى عدد لا يستهان به من الدول العربية، وكثافة سكانية خلاقة كثيرة العدد تحتاج إلى من يقودها على الدروب الصحيحة، فهي طاقات بشرية منتجة وقادرة ينقصها الصقل والتنظيم، وأرض زراعية خصبة ترويها كميات من المياه العذبة، وثروات معدنية لا زالت غير مستغلة، وأخيراً موقع استراتيجي متميز ومهم له دوره في وضع استراتيجيات وخطط التنمية الاقتصادية.
*كاتب إماراتي