في عصر تتزايد فيه التحديات الرقمية، وتتسارع فيه التحولات التقنية، تثبت دولة الإمارات العربية المتحدة قدرتَها على التفاعل السريع والمبتكر مع التهديدات السيبرانية من خلال استراتيجيات شاملة وجهود متكاملة. فمن خلال إعلان وزارة الداخلية والقيادة العامة لشرطة دبي وشركة «Visa» العالمية عن إطلاق حملة وطنية مشتركة بعنوان «لا تتحدث مع الغُرباء.. نصيحةٌ لكل الأعمار»، تؤكد الإمارات التزامَها المتجدد بحماية المجتمع من الاحتيال والجرائم الإلكترونية، عبر شراكات نوعية مع شركات ومنظمات دولية، وتعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة الفضاء الرقمي.
هذه الحملة الوطنية الرائدة تمثل نموذجاً لما يمكن أن تقدمه هذه الشراكات من تأثير فعلي في التصدي للجرائم الإلكترونية، خاصةً أنها تتزامن مع تزايد محاولات الاحتيال الرقمي عالمياً، ما يجعلها تتجاوز كونها مجرد حملة توعية تقليدية، لتصبح منظومة متكاملة من التوجيه والتثقيف تتبنّى أدواتٍ مبتكرةً وتراعي الفروقات الثقافية والعمرية في المجتمع الإماراتي.
ولعل أهم ما يميز هذه الحملة هو نهجها الإبداعي في الخطاب، إذ تعكس الفكرة الإعلانية الرئيسية مشهداً معكوساً يذكّر فيه الأبناءُ آباءَهم بأهمية الحذر أثناء التفاعل على الإنترنت. وهذه المقاربة الفنية تعيد صياغةَ العلاقة التقليدية بين المتلقي والمرسل في الحملات التوعوية، وتعزز الشعورَ بأن الأمن الرقمي مسؤوليةٌ جماعيةٌ لا ترتبط بعمر أو مستوى تعليمي.
وفي الواقع، فإن الحملةَ الحاليةَ تُعد امتداداً لنهج استراتيجي طويل الأمد تتّبعه الإمارات في ترسيخ مفهوم «الوعي الرقمي» كأحد أهم أدوات الوقاية من الجرائم الإلكترونية. إذ تأتي هذه الجهود في سياق إدراك السلطات الإماراتية أن الجريمة السيبرانية لا تُواجَه فقط بالأدوات الأمنية والتقنية، بل تبدأ من التوعية المجتمعية وتثقيف الأفراد حول أساليب الاحتيال الحديثة، وتدريبهم على الحذر من التفاعلات الرقمية المريبة.
ومما لا شك فيه أن هذا التوجه ينسجم مع جهود الدولة في تمكين جميع فئات المجتمع مِن أدوات الحماية الرقمية، وتقديم محتوى تعليمي مُوجه يتناول أبرزَ أشكال الاحتيال المنتشرة، كالروابط المزيفة، والهويات الوهمية، والرسائل الاحتيالية التي تنتحل صفاتِ مؤسساتٍ رسمية. وهذا النهج التقدمي يؤسس للتحوّل من سياسة «رد الفعل» إلى سياسة «الوقاية الاستباقية»، وهو ما يعكس فلسفةَ الأمن الشامل التي تتبناها الدولة.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى جهود دولة الإمارات في بناء منظومة تشريعية متكاملة لمكافحة الجرائم الإلكترونية، وعلى رأسها قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية المعدّل، الذي يُعد أحد أهم القوانين الناظمة لاستخدامات التكنولوجيا الحديثة، التي تجرّم الأفعالَ الخطِرة في مجال استخدام تقنية المعلومات، لما يترتب عليها من إضرار بمصالح الدولة وأجهزتها ومؤسساتها وأمن أفرادها. وهذا القانون هو ركيزة أساسية في مجال حماية المعلومات وتعزيز الأمن السيبراني لحماية الفضاءات الإلكترونية من القرصنة التي تنتهك حقَّ الإنسان والمؤسسات في الخصوصية والسرية.
وما يجب التأكيد عليه في هذا السياق أن دولة الإمارات قد ركزت من خلال هذا القانون على الأهمية الخاصة لمكافحة الشائعات التي تمثل أداةً مهمةً للتضليل، وذلك لحرصها على تعزيز أمن المجتمع وأفراده، وصيانة المكتسبات التي تحققت فيما يخص قدرتها على تأسيس دولة يعيش سكانُها وفق أسس راسخة من التعايش والسلام والتنوع، وتحكمهم قوانين عادلة وتضمَن لهم العيش آمنين ومستقرين.
ولا شك في أن التكامل بين الجهد التوعوي والحصانة التشريعية يجسّد نهج الإمارات في بناء مجتمع رقمي آمن ومستدام، يُشكّل فيه كلُّ فرد خطَّ دفاع ضد الاحتيال الإلكتروني. فمواجهة هذه التحديات لا تتطلب اليوم أدواتٍ تقنيةً فحسب، بل تستدعي وعياً اجتماعياً، وثقافة رقميةً، وتعاوناً عابراً للقطاعات.
ومع ازدياد تعقيدات الاحتيال الإلكتروني، فإن تبنّي الدولة نهجاً يقوم على الشراكة والتشريع والتثقيف يضعها في مصاف الدول السبّاقة في هذا المضمار. ومع كل حملة، وكل تعديل قانوني، تقترب الإماراتُ أكثر من هدفها الاستراتيجي في أن تكون مركزاً عالمياً للاقتصاد الرقمي الآمن، ومثالاً في بناء الثقة بين الإنسان والتقنية.
*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.