ظلت عملية تحلية المياه لعقود من اختصاص منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط. ولكن مع اشتداد الجفاف، تزدهر العملية كحل أخير للدول التي لطالما اعتمدت على الأمطار الطبيعية، وأقامت بها حضاراتها. ومحطة تحلية المياه الساحلية بمنطقة الدويرة في المغرب، الأولى في سلسلة من المشاريع الضخمة، أصبحت رهان المغرب على أن تحلية المياه ستساعد في الحفاظ على أسلوب حياة يشمل أنشطة تتطلب كميات كبيرة من المياه مثل الزراعة واسعة النطاق. ولطالما كانت فكرة تحلية المياه مغرية، إذ تتضمن تسخير أكبر مورد على كوكب الأرض، ألا وهو محيطات العالم.

وقد عززت التخفيضات الأخيرة في التكاليف رؤيةً راسخة في الأوساط التقنية، مفادها أن هذه التقنية يمكن أن تساعد البشر في التغلب على نقص المياه الذي يزداد حدة مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب. وصرح إيلون ماسك العام الماضي بأن تحلية المياه يمكن أن «تحول أي جزء من العالم إلى منطقة خضراء، بل والعالم بأسره». البعض يرى أن تحلية المياة ليست حلاً مثالياً، لأنها تلوث المياه بتصريف محلول ملحي، وهو مستخلص شديد الملوحة يُعاد إلقاؤه في البحر، ويمكن أن يرفع درجة حرارة الماء. كما أنها تتطلب طاقة كبيرة، وتُنتج انبعاثات غازات دفيئة إذا تم تشغيلها بالوقود الأحفوري. وتقول وكالة الطاقة الدولية: إن الطلب العالمي على الطاقة لتحلية المياه قد تضاعف تقريباً منذ عام 2010، ويتوقع أن يتضاعف مجدداً بحلول عام 2030.

ويتماشى ارتفاع استهلاك الكهرباء مع الزيادة المتوقعة من جانب مراكز البيانات. ويُظهر تحليل أجرته صحيفة «واشنطن بوست» للمشاريع العالمية، استناداً إلى بيانات قدمتها شركة «غلوبال ووتر إنتليجنس» التي تتبع قطاع الطاقة، كيف تنتشر تحلية المياه في مناطق جديدة تعاني من ازدياد ندرة المياه. ومن بين المحطات العاملة حالياً، يوجد 65 من أكبر 100 محطة في منطقة الخليج العربي. إلا أن التوازن الجغرافي يتأرجح مع المشاريع الجديدة، التي سيتجاوز حجمها تلك القائمة بالفعل. ومن بين أكبر 100 محطة مُخططة أو قيد الإنشاء، يوجد 63 محطة خارج الخليج العربي، غالباً في دول تفتقر إلى الموارد والتنمية نفسها. وتفيد البيانات بأن الجزائر تخطط لإنشاء تسع محطات ضخمة، كما أن مصر لديها ثلاث محطات قيد التنفيذ.

أما العراق، الذي يواجه تراجعاً تاريخياً في منظومته النهرية، الغزيرة في الماضي، فقد وقع في يوليو الماضي عقوداً لبناء واحدة من أكبر منشآت التحلية في العالم. كذلك تخطط الأردن، إحدى أكثر دول العالم معاناةً من شح المياه، لبناء محطة ضخمة، ومد خط أنابيب بطول 250 ميلاً لتوصيل مياه الشرب المحلاة إلى عاصمتها. أما في المغرب، حيث انخفضت مياه الأمطار وذوبان الثلوج بشكل مطرد على مر العقود، وحيث وصلت بعض أكبر السدود إلى مستويات منخفضة للغاية، فقد دعا الملك محمد السادس البلاد العام الماضي إلى «تسريع» خططها لتحلية المياه، بحيث تمتلك، بحلول عام 2031، أربعاً من أكبر عشر منشآت تحلية في العالم.

وزير المياه المغربي نزار بركة يرى أن اثنتين من المحطات المستقبلية ستساعدان في توفير المياه مباشرة للمزارع، أما المحطات الأخرى فستخصص فقط لتوفير مياه الشرب للمدن، وستزيد من السعة الإجمالية، مما يترك المزيد من مصادر المياه الطبيعية للزراعة. وقد استفادت بعض المزارع الأكثر أهمية اقتصادياً في البلاد بالفعل منذ افتتاح محطة بالقرب من مدينة أغادير عام 2022. وتحتفظ المنشأة بحوالي 55% من مياهها لتلبية احتياجات 1.6 مليون شخص من مياه الشرب. أما البقية فيتم نقلها عبر شبكة معقدة من الأنابيب نحو السهل الجاف المسؤول عن معظم صادرات المغرب من الخضراوات.

لا يمكن تفسير تركيز المغرب على التحلية بتغير المناخ وحده؛ فالعجز المائي مدفوع أيضاً بعوامل بشرية تتعلق بمحاصيل تُزرع وعلى أي نطاق. وقد أراد الأوروبيون منتجات طازجة طوال العام، وقد سعى المغرب لتلبية تلك الرغبة وجني أرباحها. واليوم، تمثل المزارع نحو 85% من احتياجات البلاد المائية، لكن لم يكن الأمر كذلك دائماً. فقبل قرن، كان الفلاحون يزرعون الشعير والقمح والشوفان كعلف للحيوانات في مساحات صغيرة، معتمدين بالكامل على المطر. لكن بمرور الوقت، رفع المغرب طموحاته، فأطلق في منتصف القرن الـ 20 حملة لبناء السدود لالتقاط مزيد من مياه الأمطار ودعم إنتاج أوسع نطاقاً.

ورغم القيود تُمثل محطات التحلية الضخمة التي ستُقام على طول الساحل المغربي - من الرباط إلى الدار البيضاء إلى الناظور - دفعةً قوية؛ فعلى مدى السنوات الخمس المقبلة سترتفع نسبة المغاربة الذين يشربون المياه المحلاة إلى 60%، من 9% حالياً. وسيتم تخصيص حوالي 30% من المياه الجديدة للري.

وقد وضع الملك محمد السادس رؤيةً للمغرب كرائد في مجال تحلية المياه: تطوير شركات بناء محلية، وتدريب الفنيين. كما تعهد بتشغيل كل شيء بالطاقة المتجددة. لكن في الوقت الراهن، لا يمتلك المغرب سوى محطة واحدة كبيرة قيد التشغيل، وهي المحطة التي تُغذي مزارع الطماطم، والتي تعتمد على شبكة الكهرباء القائمة على الفحم.

ويقول الخبراء: إن تطورات عملية «التناضح العكسي» أساسية لازدهار تحلية المياه، وانخفضت تكلفة التحلية عشرة أضعاف على مدى جيل واحد، لتصل في بعض الحالات إلى 50 سنتاً للمتر المكعب، وأدى انخفاض الأسعار هذا فجأةً إلى جعل تحلية المياه في متناول الدول النامية التي تعتقد أنها لا تمتلك خياراً آخر.

*كاتب متخصص في قضايا المناخ.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»