الهجوم على قطر رسالة سياسية واضحة مفادها أن إسرائيل باتت فعلياً فوق القانون الدولي. الهجوم اعتداء صريح على كل دول مجلس التعاون الخليجي، ولا سيما أن سيادة قطر جزء لا يتجزأ من السيادة الخليجية. وما حدث في الدوحة قد يتكرر بأي عاصمة خليجية أخرى، وبالتالي اجتماع نحو 50 دولة من دول جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي في الدوحة أمس، من المتوقع أن يخلص إلى إدانة وشجب وتضامن ورسالة للمجتمع الدولي لتحمل دوره في منع الانتهاكات وتكرراها مجدداً مع دعوة لمساءلة إسرائيل، أو وضع ضوابط تكفل مساءلتها مستقبلاً.العدوان الإسرائيلي لم يكن مفاجئاً،  فمنذ أشهر تجاهلت تل أبيب جميع قرارات مجلس الأمن المتعلقة بفلسطين، وضربت بآراء محكمة العدل الدولية عرض الحائط ، واستمرت في انتهاك القانون الدولي الإنساني عبر استهداف المدنيين والصحفيين والمسعفين.
 تقارير «هيومن رايتس ووتش» وثّقت تهجير أكثر من 1.9 مليون فلسطيني من سكان غزة منذ أكتوبر 2023 حتى نهاية 2024، وهذه السنة حدّث ولا حرج، كما أشارت بيانات الأمم المتحدة إلى تدمير ما يزيد على 191.000 مبنى بفعل القصف الإسرائيلي حتى منتصف 2025 وتحويل غزة مؤخراً لمدينة غير قابلة للعيش وهو الهدف منذ البداية، وارتفاع عدد المستوطنات من 128 في الضفة، إلى 178 حالياً، بزيادة قدرها نحو 40% وقد تم توزيعها جغرافياً للسيطرة على أكثر من 80% من أراضي الضفة الغربية ومحاصرتها من كل الاتجاهات، فهل تبقى واقعياً أرضاً لإقامة دولة فلسطينية؟في هذا السياق جاء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليكشف النوايا الحقيقية خلف الضربة على قطر، فقد اعترف صراحةً أن الهدف من العملية كان انتقامياً، وليس لمنع هجوم مستمر أو وشيك، هذا التصريح وحده كافٍ لتجريد الضربة من أي غطاء قانوني، وليؤكد أنها كانت خرقاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة، وبالأخص المادة 51 التي تحصر حق الدفاع عن النفس في مواجهة هجوم مباشر من دولة أخرى ، قطر لم تكن في حالة حرب مع إسرائيل، ولم تشهد أراضيها أي نشاط عسكري ضدها، ما يجعل العدوان محض فعل  انتقامي لا يمت بصلة لحق الدفاع المشروع.
التوقيت لم يكن بريئاً كذلك، فالضربة جاءت في لحظة كانت فيها الجهود الدبلوماسية على وشك تحقيق اختراق بشأن وقف إطلاق النار في غزة. هذا النمط يتكرر منذ سنوات، فكلما اقتربت الأطراف من حل تفاوضي، اندفع التصعيد العسكري الإسرائيلي ليقوّض أي أمل في التهدئة، ويوجه أنظار العالم عما يحدث في غزة والضفة الغربية، ويوقف أي تقدم في أية مفاوضات لإنهاء العدوان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، أو المطالبة بسيادة دولة فلسطين، والضربة على الدوحة لم تكن استثناءً! بل تجسيداً لاستراتيجية متعمدة لإفشال الوساطات، وفرض منطق القوة.
البعد الأخطر في هذه العملية هو أنها كسرت قاعدة غير مكتوبة، وهي تجنب استهداف دول الخليج المستقرة، فإذا كانت إسرائيل قد تجرأت على ضرب أراضي دولة كقطر، فما الذي يمنعها غداً من استهداف عواصم أخرى بحجة استضافة قيادات سياسية لا ترضى عنها؟ هنا يكمن الخطر الحقيقي، المتمثل في توسيع نطاق الصراع ليشمل كل المنطقة، وتحويل العواصم الخليجية إلى ساحات مفتوحة للابتزاز السياسي والعسكري.الولايات المتحدة الداعم الأول لإسرائيل تتحمل قسطاً من المسؤولية، فالدعم العسكري والسياسي غير المشروط منح تل أبيب حصانة مطلقة من المحاسبة الدولية، ورغم حديث واشنطن المتكرر عن «الدبلوماسية الهادئة»، فإن النتيجة على الأرض كانت مزيداً من الدماء والدمار بدلاً من تهدئة الأوضاع، ولقد ساهمت السياسة الأميركية في توليد أزمات جديدة، وتصعيد التوترات في منطقة هي أصلاً على صفيح ساخن.
من الناحية القانونية يشكل العدوان على قطر انتهاكاً واضحاً لميثاق الأمم المتحدة، ولاتفاقية «فيينا» للعلاقات الدبلوماسية، إذ استهدفت الضربة مناطق تضم بعثات ومقار دبلوماسية، كما أنه يتعارض مع أحكام محكمة العدل الدولية التي شددت مراراً على ضرورة احترام مبدأ التناسب، وهو ما لم يراعَ إطلاقاً في هذا الهجوم.
فهل ستتقدم الدول العربية والإسلامية بشكوى رسمية موحدة لمحكمة العدل الدولية؟ وهل يتم الدفع نحو قرار عاجل في الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت بند «الاتحاد من أجل السلام»! وتفعيل الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية قبل أن يفقد القانون الدولي ما تبقى فيه من مصداقية، بعد أن أصبح استخدام القوة بلا قيود هو القاعدة الجديدة؟
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.