إذا كان الرئيس دونالد ترامب قد ربح الجولة الأولى في معركته ضد «الاحتياطي الفيدرالي»، الذي خفّض سعر الفائدة 25 نقطة أساس (ربع نقطة مئوية) لتصبح بين 4 في المئة و4.25 في المئة، في اجتماعه الأربعاء الماضي، فإن رئيس «الفيدرالي» جيروم باول بدوره، ربح الجولة، بعدم رفع السعر بأكبرمن ذلك، كما يطالب ترامب. إضافة إلى نجاحه في منع خرق «استقلالية» أهم بنك مركزي في العالم. ولكن يبدو أن المعركة مستمرة وستشتد أكثر في العام المقبل، حيث يسعى ترامب للحصول على أغلبية في إدارة جديدة لـ«الفيدرالي»، كي يستطيع خفض الفائدة بقوة تلبية لطموحاته. على رغم تحذرات دولية من خطورة المس بهذه «الاستقلالية» على الاقتصاد الأميركي، مع تراجع «الثقة» بالدولار الذي يعاني «الضعف»، أمام استمرارالتضخم المرتفع، وارتفاع سعر الذهب.
في الواقع، عندما سجل سعر الذهب في أبريل 2024، رقماً قياسياً بلغ2431 دولاراً للأونصة، وصفه المراقبون سعراً منخفضاً، لم يصل بعد إلى قيمته التاريخية. وتوقعوا في ذلك الوقت أن يستمر سعر الأونصة بالارتفاع ليتجاوز 4000 دولار في عام 2030، مع تآكل قيمة العملة الأميركية، نتيجة التضخم، في ظل التطورات «الجيوسياسية»، واستمرار حرب روسيا على أوكرانيا، وحرب إسرائيل في غزة، والتي تشمل جنوب لبنان، وتداعياتها من توترات أمنية، في المنطقة. ولكن تطورات الواقع، كانت أسرع من التوقعات، مسجلة سعراً قياسياً بلغ مؤخراً 3700 دولار. وتتوقع مجموعة «غولدمان ساكس» أن يصل إلى 4000 دولار للأونصة في منتصف العام المقبل، ويتجاوز 4500 دولار بنهاية العام، وقد يقفز إلى 5000 دولار، في حال تدفق واحد في المئة فقط من سندات الخزانة الأميركية المملوكة للقطاع الخاص الى الذهب.
واللافت أنه لأول مرة منذ نحو ثلاثة عقود، تظهر قراءات الخبراء أن الذهب بات يستحوذ «قيمياً» على حيز في محافظ عدد كبير من البنوك المركزية، يتجاوز سندات الخزينة الأميركية، وذلك بظهور«شهية رسمية» الى أصول أقل خضوعاً للمزاج السياسي، وأكثر قدرة على الصمود أمام سيف العقوبات ومطرقة التقلبات، وهي إشارة ضمنية الى تراجع الإعتماد على الولايات المتحدة في العلاقات الدولية. وبلغة الأرقام، بلغت حصيلة مشتريات البنوك المركزية نحو 415.03 طن من الذهب، خلال النصف الأول من العام الحالي، إضافة إلى 1089.38طن، سبق أن قامت بشرائها العام الماضي، وذلك حماية لقيمة احتياطاتها من تآكل قيمة الدولار.
ويلاحظ نتيجة «العلاقة العكسية»، أن انخفاض سعرالذهب يتأثر مع ارتفاع سعرالدولار، والعكس صحيح حين يرتفع سعر الذهب مع تراجع الدولار. ولطالما يهدف ترامب إلى دولار «منخفض» لتعزيز قوته التنافسية في التصدير، فقد تحقق له ذلك، إذ انخفض منذ يناير الماضي حتى سبتمبر الحالي بنسبة11 في المئة، ولكن سعرالذهب ارتفع بنسبة41 في المئة، نتيجة الهروب الكبير من الدولار.
وبما أن بوصلة الأسواق واتجاهات رؤوس الأموال، تتحدد عبر عنصر«الثقة»، فإن فقدان هذه «الثقة»، بقدرة الحكومات على تنفيذ برامج خاصة بإدارة الأزمات، وتحييد المصالح السياسية لتحقيق الأهداف المالية اللازمة لتفادي الانهيارات الاقتصادية والاجتماعية، يؤدي إلى تضعضع مكانة الدول، ويضرب بالتالي أداء الاقتصاد العالمي، وهو ما يثير التساؤلات حول متانة اقتصادات الدول الكبرى الواقعة في «عاصفة» أزمات الديون، مثل الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، علما أن هذا الملف يعد أخطر الملفات التي تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وقد تزعزع مكانة أهم العملات، وتعزز مكانة الذهب الذي وصف بأنه «مفتاح الثقة بالاقتصاد» في صدارة الأصول الاستثمارية، بينما تهتز مكانة الدولار الأميركي، وسط قلق متصاعد من مرحلة اضطرابات قوية قادمة.
*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية.