يصادف اليوم، أي الـ21 من شهر سبتمبر، اليوم الدولي للسلام، حيث يتجدد صوتُ الإنسانية عبر نداء صادق يدعو إلى إحقاق السلام وإلى تجسيده واقعاً في أرجاء المعمورة. هذا اليوم خصصته الأممُ المتحدةُ لكي يكون محطةً للتأمل والتفكير في قيمة الأمن وأهمية الطمأنينة التي ينشدها البشرُ جميعاً في كل زمان ومكان.
ويمثل اليوم الدولي للسلام مناسبةً مهمةً لتكريم كل مَن يسهم في نشر ثقافة السلام والتسامح، من مربِّين يَغرسون قيمَ التعاون والإنصاف والاحترام في عقول النشء، إلى مسعفين وعمال إغاثة وتوعية يَعملون في أصعب الظروف لنشر روح التعاون والمصالحة والتفاهم، إلى قادة اختاروا سبيلَ الحكمة والحوار على طريق الحرب والقوة.. إلخ.
إنهم جميعاً مشاعلُ خيرٍ وسلام وتنمية تُنير دروبَ الحاضر وتفتح آفاقَ المستقبل. واليومُ الدولي للسلام ليس مجردَ تاريخ في التقويم الزمني، بل رمز عميق يذكّرنا بأن الحروبَ لا تصنع سوى الخراب والدمار والمعاناة والموت، أما السلامُ فيفتح آفاقاً للحياة وللأمل والازدهار. ويمثل السلامُ ضرورةً وجودية لا غنى لأحد عنها، والحياةُ لا تزدهر في أجواء الحرب والاقتتال، بل فقط في ظل السلام والتعاون والسكينة. عندما تُزرع بذور السلام وتُسقى بماء التسامح والمحبة في المجتمعات، تَينع وتُثمر استقراراً وتنمية ورفاهاً، وعندما يتم إخماد نيران الحقد والكراهية، تُنير شموعَ الأمل والتطلع إلى مستقبل أفضلَ وأكثر إشراقاً. ولذلك السبب فبناءُ عالم يطبعه السلام ليس ترفاً زائداً ولا حلماً رومانسياً، بل واجبٌ حضاري وحق إنساني لكل ذات بشرية في العالم. وتعلمنا تجاربُ التاريخ وتحولاته أنه لا وجودَ لحرب تأتي بنتائج مفيدة وسعيدة، وأن الحوار هو الوسيلة الوحيدةُ التي تفتح الطريقَ نحو الحلول المستدامة.
ومن الخبرات المهمة في هذا المجال تجربةُ كولومبيا، على سبيل المثال، حيث انتهت عقودٌ من الحرب المدمرة، وذلك فقط بفضل الحوار الذي أفضى توقيع اتفاق سلام أوقف نزيفَ الدم وأعاد للمجتمع وحدتَه.. وغيره من اتفاقات السلام الأخرى التي ساهمت في إنهاء صراعات دامية أو في الحيلولة دون تفجر حروب طاحنة، مما يؤكد أن حكمةَ العقل أقوى وأكثر نجاعةً من سائر أسلحة الحرب. كل التجارب والخبرات في هذا المجال تؤكد أن إنهاء الحروب وتحقيق السلام هدفٌ ممكن التحقق، فيما لو توفرت النيةُ الصادقة والإرادة الصلبة.
وهذا مع العلم بأن السلام لا يقتصر على العلاقات بين الدول، بل ينطلق من القلوب والنفوس، أي من داخل كل إنسان، وتحديداً من استعدادنا للتحلي بروح التسامح إزاء الآخر المختلف، ولتحقيق العدالة كأساس للعلاقات بين الناس على اختلاف انتماءاتهم.
وتَجد روحُ التسامح داخل الأسرة أثرَها المباشر على مستوى المجتمع، وكذلك بين الشعوب، مما يضع الأساسَ القوي لبناء جسور التفاهم والتعاون والاحترام المتبادل. وبهذا يتضح أن السلام سلسلة متداخلةُ الحلقات لا يمكن الاستغناءُ عن أي منها. وبناءً عليه فإنه يجدر بنا أن نجعل من هذا اليوم مناسبةً للتأكيد على أهمية السلام بدلاً من الحرب، وللبرهنة على أن الخير في العالم أقوى من الشر إذا ما توفرت النية الصادقة والإرادة الصلبة.
*كاتب كويتي