منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي الأعلى عالمياً في مؤشرات الإجهاد المائي، ما يجعل الإنتاج الزراعي المحلي في هذه المنطقة، محدوداً بطبيعته ويعزز الاعتماد على الواردات. وفي المقابل، تبنت دول الخليج استراتيجيات للتنويع وتقوية المرونة عبر الاستثمار المحلي، والاحتياطيات عالية الكفاءة، والشراكات الاستثمارية الخارجية، بهدف ترسيخ منظومة إنتاج مستدامة قائمة على التقنية، وتوسيع قنوات الاستيراد، وتقليل الهدر.

لكن هل يعني ذلك أن هذه الدول قد أمنت نفسها غذائياً؟ الجواب قطعاً لا. فالأمن الغذائي يتطلب رؤية استراتيجية ثاقبة، خاصة أن المنطقة تعتمد أيضاً على ممرات بحرية شديدة الحساسية مثل مضيق هرمز وباب المندب؛ وأي اضطراب واسع فيها سيرفع تكلفة الطاقة والشحن، وربما مدخلات الزراعة كالأسمدة. كما أن الاستثمار المتسارع في الذكاء الاصطناعي سيستهلك كميات ضخمة من المياه والطاقة، وهو ما لا تكفي معه خطط الطوارئ التقليدية كالشراء المسبق وتنويع طرق التوريد أو بناء مخزونات استراتيجية.

وإلى جانب ذلك، تقف تكلفة الأمن الصحي عائقاً حقيقياً أمام الأمن الغذائي، ناهيك عن احتمال عسكرة الغذاء والماء وتسخير الطبيعة لصناعة أزمات قد تعرقل أي تقدم في الدول التي تعتمد على الحلول التقليدية. حتى وإن تم إيجاد حوكمة إقليمية وخليجية، وتنسيق في مشتريات الحبوب، ومنصات مشتركة للمخزون، واستثمارات زراعية خارجية تراعي الاستدامة والقبول المجتمعي، فإن كل ذلك يبقى معرضاً للانهيار إذا تعرضت تلك المناطق لاضطرابات اجتماعية، أو هجمات ميليشيات متطورة، أو كوارث طبيعية غير مسبوقة.

وهذا يعني أن الأمن الغذائي في 2030 سيبقى معركة واضحة الأبعاد، غامضة التفاصيل، لأن الأرقام قد تخدع أحياناً، ولا ضمانات تذكر للتنبؤ بمخاطر «المناطق الرمادية»، وهو ما يفرض بناء مرونة ديناميكية دولية، ووجود منظمة عالمية للأمن الغذائي، وقوات دولية لحماية منظومتي المياه والغذاء، إلى جانب سياسات محلية وإقليمية ودولية مرنة وسريعة التكيف، واحتياطيات ذكية، وتعاون يسبق الصدمة لا أن يأتي بعدها.

التقارير الأممية تحذر من أن هدف «صفر جوع» بحلول 2030 بات بعيد المنال، ذلك لأن أكثر من 673 مليون إنسان كانوا يعانون الجوع في 2024، وازداد عددهم في 2025، بينما واجه 2.3 مليار شخص درجات متفاوتة من انعدام الأمن الغذائي. هذه الأرقام، الواردة عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي، تكشف أن الأزمة مستمرة حتى قبل ظهور المفاجآت غير المحسوبة. لكن الخطر الأكبر قد لا يأتي من المناخ وحده، بل من أمراض لا ترى بالعين المجردة. فإذا تفشت آفات نباتية أو أوبئة حيوانية، فإن العالم سيجد نفسه أمام أزمة مضاعفة. فالمحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة والأرز توفّر نحو 40% من السعرات الحرارية التي يستهلكها البشر، وأي وباء يضربها قد يرفع الأسعار عالمياً خلال أسابيع.

أما في قطاع البروتين الحيواني، فإن أمراضاً مثل إنفلونزا الطيور أو حمى الخنازير الأفريقية، إذا استخدمت كسلاح بيولوجي عبر التعديل الجيني، قادرة على إعدام مئات الملايين من الدواجن والماشية والأبقار والإبل وغيرها من الحيوانات التي يعتمد عليها البشر يومياً. وقد شهد العالم في العقد الماضي ارتفاعاً غير مسبوق في أسعار البيض واللحوم بسبب أوبئة أقل خطورة.

وماذا عن حكومات اليمن المتطرف التي أصبحت خيارات الكثير من الشعوب المصدرة للأغذية الاستراتيجية؟ تخيلوا عام 2030، حين يضرب مرض فطري مُصنّع في المختبر أكثر من محصول استراتيجي، ويصيب حقول القمح في آسيا الوسطى، إحدى أهم مناطق التصدير إلى الشرق الأوسط. المحصول يتراجع بنسبة 30% خلال أشهر. الهند وباكستان توقفان الصادرات لحماية أسواقهما الداخلية، فيما تعاني الدول التي اعتمدت كخيارات بديلة لها نفس المصير. تقفز أسعار القمح 60% عالمياً.

في معظم قارات العالم يختفي الخبز من الأفران الشعبية، وتندلع الاحتجاجات في العواصم. الحكومات تعلن «حالة طوارئ غذائية». أما الحكومات في الشرق الأوسط، فتتحرك لتفعيل المخزونات الاستراتيجية، والاعتماد على مزارعها الاستثمارية في الخارج، لكن التوترات الجيوسياسية تعيق الشحن.

والسؤال الأهم يظل مطروحاً: هل تكفي الاحتياطيات لتغطية عام كامل من الاستهلاك؟ فما أصاب البشر من كوفيد-19 هل يحدث للحيوانات والنباتات! في مثل هذا السيناريو، يصبح الغذاء ورقة مساومة، ويتحول الأمن الغذائي إلى سلاح مهين وفعال في آن واحد، ليؤكد أن الغذاء هو الوجه الآخر للأمن الوطني. والمفارقة أن الحلول موجودة، لكن العقبة الحقيقية تكمن في العقليات التي تتعامل مع الأمن الغذائي بمنطق الحلول السحرية، سواء عبر المخزونات الاستراتيجية أو الاستثمارات الخارجية وحدها، من دون بناء أنظمة متكاملة قادرة على مواجهة صدمات المستقبل.

*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.