قامت دولة الإمارات العربية المتحدة، بتوجيهات القيادة الرشيدة، بالتركيز على توطين الوظائف في القطاعات الحكومية والخاصة، وعلى جميع المستويات، انطلاقاً من إيمانها بأن المواطن هو المحرك الأساسي للتنمية الشاملة والمستدامة، ويعكس هذا التوجه رؤية تهدف إلى إشراك الكفاءات الوطنية، بما يعزز استقرار سوق العمل، وتنافسية الاقتصاد الوطني، ويضمن استدامة النمو. وقد شمل التوطين مختلف التخصصات الإدارية والفنية والقيادية، مع إتاحة الفرص أمام الشباب لتولي مواقع مؤثرة تسهم في ترسيخ مكانة الدولة إقليمياً وعالميّاً.
وحين يقترن التوطين بوظائف التفتيش والرقابة تصبح هذه المسؤوليات عنصراً حاسماً لضمان الاستمرارية والفاعلية، وتحقيق تحسينات ملموسة في الكفاءة والجودة والحوكمة، بصفتها خط الدفاع الأول لحماية المجتمع وصون موارده، بما ينعكس مباشرة على جودة الحياة، وصناعة مستقبل أفضل للجميع. وتشمل هذه الأدوار الرقابة البيئية للحد من التلوث، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وأمن الغذاء وسلامته لحماية المستهلك، والصحة والسلامة المهنية للوقاية من المخاطر في مواقع العمل، إضافةً إلى متابعة البنية التحتية لضمان جودة المشروعات الكبرى، وسلامة تنفيذها. كما يمتد نطاقها إلى تعزيز ثقة الأسواق وجودة السلع والخدمات، وإدارة مشروعات البنية التحتية بصفتها ركيزة أساسية للتنمية المستدامة.
وتزداد أهمية هذه الوظائف مع حجم الاستثمارات الضخمة الموجهة إلى مشروعات البنية التحتية، والمشروعات البيئية، ومشروعات التنمية المستدامة، إذ يتطلب الأمر كوادر وطنية تملك الخبرة الميدانية، والمعرفة العلمية، والمهارات المتقدمة، لمتابعة هذه المشروعات بكفاءة عالية. وهنا يظهر دور التعليم والتأهيل المستمر، إذ يسهم في بناء جيل من المواطنين المفتشين، والخبراء القادرين على استخدام أحدث التقنيات، مثل الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، في الرقابة والتفتيش، ما يرفع من جودة الأداء، ويزيد من دقة اتخاذ القرار، ويعزز الشفافية، ويدعم قرارات تسهم في تحقيق أهداف الدولة بشكل شمولي ومستدام.
تمكين الكفاءات الوطنية في مسؤوليات التفتيش والرقابة يشكل استثماراً استراتيجياً في حماية الصحة العامة، وضمان سلامة المجتمع، وتعزيز كفاءة المشروعات الوطنية، كما يسهم هذا التوجه بفاعلية في دعم أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة، عبر تعزيز الصحة والرفاهية، وضمان المياه النظيفة، والنظافة الصحية، وتوفير العمل اللائق، ونمو الاقتصاد، ودعم الابتكار والهياكل الأساسية، وبناء مدن ومجتمعات محلية مستدامة، وتحقيق الاستهلاك والإنتاج، ومواجهة التغير المناخي، وتعزيز السلام، والعدل، والمؤسسات القوية.
د.راشد محمد كركين*
*مؤلف كتاب «قادة التنمية المستدامة» - خبير حماية البيئة والتنمية المستدامة - مؤسس معهد التنمية المستدامة للبحوث والتدريب - نائب رئيس جمعية الباحثين.