لطالما كان أحد أساتذتي المخضرمين في إحدى جامعات الإمارات يردد شعاراً ملهماً: «صُنِع في الإمارات.. إلى العالم»، هذا الشعار ظل راسخاً» في ذهني، لأنه لا يمثل مجرد عبارة، بل يعكس طموحاً وطنياً لتحويل دولة الإمارات من مستهلك للتكنولوجيا إلى مُنتج ومُصدِّر لها، وقد استلهمت من هذا الأستاذ الكريم فكرة هذه المقالة، التي تسلّط الضوء على الدور الحيوي للمراكز البحثية الصناعية الأكاديمية في نقل المعرفة الوطنية إلى صناعة عالمية، وجعل البحث العلمي محركاً مباشراً للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.في دولة الإمارات يوجد أكثر من 120 جامعة ومؤسسة أكاديمية، تُنتج سنوياً آلاف البحوث العلمية في مختلف المجالات، وهذا الكمُّ الهائل من المعرفة يمثّل ثروة فكرية ووطنية ضخمة. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه: كم من هذه البحوث انتهى بتسجيل براءات اختراع؟ والسؤال الأهم: كم من هذه البراءات تحولت إلى منتجات محلية، أو عالمية، تخدم المجتمع، وتضيف قيمة إلى الاقتصاد الوطني؟ الحقيقة أن هناك فجوة واضحة بين البحث العلمي من جهة، والتطبيق الصناعي من جهة أخرى، وهذه الفجوة هي التي تجعل العديد من الأفكار المبتكرة حبيسة الأدراج والأوراق العلمية، بدلاً من أن تكون منتجات وحلولاً عملية.
وتتمثل إحدى أهم السبل لتجاوز هذه الفجوة في تأسيس مراكز بحثية صناعية أكاديمية مشتركة، تشكل منصات استراتيجية تلتقي فيها الجامعات وشركات القطاعين العام والخاص، بدعم ورعاية من الحكومة، وتشريعات محفزة. وتقوم الفكرة على أن الجامعة ليست للتعليم، أو النشر الأكاديمي فقط، بل هي أيضاً شريك رئيسي في تطوير الصناعة، وابتكار الحلول التي تحتاج إليها السوقان المحلية والعالمية، وبهذه الطريقة تصبح المراكز البحثية المشتركة بوابة حقيقية لتحويل المعرفة الوطنية إلى صناعة عالمية.
ولكي تؤدي هذه المراكز دورها بفاعلية ينبغي أن تُبنى على مجموعة من الركائز، أولاها وضع تشريعات واضحة لحماية الملكية الفكرية، وتحفيز الاستثمار في البحث والتطوير. وثانيتها بناء شراكات مستدامة بين الجامعات والشركات المحلية والعالمية، بما يضمن تكامل المعرفة الأكاديمية مع الخبرة الصناعية. أمَّا ثالثتها، فهي إشراك الطلبة في هذه المشروعات البحثية التطبيقية، لتهيئة جيل جديد من العلماء ورواد الأعمال، الذين يملكون المهارة والخبرة العملية. وتكمن الركيزة الرابعة في توفير قنوات تسويق فعالة عبر حاضنات الأعمال وصناديق الاستثمار، لتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق. وتُختتم هذه الركائز بالتركيز على البحوث التطبيقية المرتبطة بالتحديات الوطنية، مثل الطاقة والصحة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي.
وقد تناولت، في مقال سابق نشرتُه في جريدة «الاتحاد» بعنوان «ابحث في الإمارات.. اصنع في الإمارات»، هذه الفكرة من زاوية أخرى، إذ أكدت أن البحث العلمي لا يكتمل إلا إذا تحول إلى منتج، أو خدمة نافعة. واليوم أجد أن الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق ذلك هي عبر هذه المراكز البحثية المشتركة، التي يمكن أن تنقل الدولة من مرحلة استهلاك التكنولوجيا إلى مرحلة تصديرها، وقيادة الابتكار عالمياً. إنّ بناء اقتصاد معرفي متكامل يتطلب رؤية واضحة، وإرادة سياسية، واستثمارات ذكية، ولكنه قبل ذلك يحتاج إلى ربط البحث العلمي بالصناعة ربطًا مباشراً.
وفي النهاية أعود إلى العبارة التي ألهمتني: «صنع في الإمارات... إلى العالم». هذه ليست مجرد كلمات، بل خريطة طريق نحو مستقبل نرى فيه منتجات إماراتية مبتكرة تنافس عالمياً، أساسها معرفة بحثية وطنية انطلقت من جامعاتنا، ونمت عبر مراكز بحثية صناعية أكاديمية، لتصبح صناعة عالمية ترفع اسم الإمارات عالياً.
أ.د. غانم كشواني
أمين السر لجمعية الباحثين