الموهبة استعداد فطريٌّ عند الإنسان في مجال من مجالات الحياة، يتطلب الحفاظ عليها بذل جهود كبيرة من أجل اكتشافها أولاً، ومن ثم تقديرها، ودعمها، والاهتمام بها، من أجل تنميتها، وتحفيزها، وتطويرها، وتشجيع الموهوبين على الإبداع والابتكار في المجالات التي يتميزون فيها.
ويطلق الباحثون على هذه المراحل المختلفة اسم «إدارة الموهبة»، وهي عملية يرجى منها الحفاظ على هذه الجواهر الثمينة كي لا تُفقَد، أو تضعف همتها بمرور الزمن. وتُعدُّ مهمة رعاية الموهوبين مسؤولية مشتركة، يجب أن تتضافر فيها جهود الجميع، بدءاً من الأسرة، ومروراً بالمؤسسات التعليمية والثقافية والمجتمعية. وقد شهدت العقود الأخيرة اهتماماً متزايداً من الدول المتقدمة بالموهوبين، إذ رُصِدت ميزانيات خاصة لتطوير طرق الكشف عنهم، وتصميم البرامج والمبادرات المدروسة لرعايتهم وتنمية قدراتهم، بما يضمن لهم نموّاً نفسيّاً وعقليّاً واجتماعيّاً متكاملاً، إيماناً من هذه الدول بطاقات موهوبيها، واعتقاداً بأن رعايتهم استثمار بعيد المدى، وضمانة حقيقية للحفاظ على مكتسباتها الحضارية.
ولم تدخر دولة الإمارات العربية المتحدة أي جهد في هذا المجال، إذ أبدت مؤسسات الدولة اهتماماً واسعاً بإعداد برامج لرعاية الموهوبين في المجالات العلمية والأدبية والفنية، وريادة الأعمال، وغيرها، سواء نُفذت داخل الدولة، أو خارجها، من خلال تنظيم رحلات علمية واستكشافية إلى دول مختلفة، للاطِّلاع على تجاربها في هذا المجال، وتمكين سفراء الدولة الموهوبين من الاستفادة من برامج تلك الدول المخصصة لرعايتهم، فعلى مدى الأعوام العشرة الأخيرة طرحت الدولة العديد من المبادرات والبرامج والخطط لاكتشاف الموهوبين ودعمهم، وكان أبرزها «الخطة الوطنية لرعاية الموهوبين» التي تنفذها وزارة التربية والتعليم، فقد أطلقت الوزارة مبادرتين، إحداهما لوضع نظام متكامل لاكتشاف الطلبة الموهوبين، والأخرى لرعايتهم، وتطوير جوانب الإبداع والتميز لديهم. كما جاء إشهار «جمعية الإمارات لرعاية الموهوبين»، بصفتها إحدى جمعيات النفع العام مثالاً واضحاً على النهج الذي تبنته الدولة للاهتمام بشؤون الموهوبين، والكشف عنهم، وتهيئة المناخ الملائم لتنمية قدراتهم ومهاراتهم. ولم يقف الأمر في الدولة عند رعاية الموهوبين من فئة طلبة المدارس فحسب، إذ شملت كذلك الشباب المقبلين على التوظيف، لتهيئتهم للوظائف الحكومية النوعية، والتخصصات العلمية النادرة في المستقبل، عبر منظومة متكاملة لدعم الكفاءات الشابة، وتطويرها.
وعلى صعيد المواهب الأدبية، تُعدُّ ورش الكتابة الإبداعية إحدى أهم الوسائل لاكتشاف القدرات الأدبية، وتنميتها لدى الموهوبين، وإثراء تجاربهم الكتابية، إلى جانب تنظيم المسابقات والجوائز الأدبية التي تشكل فرصة ذهبية لتحفيزهم، وتطوير معارفهم الأدبية، وتمكينهم من معرفة مَواطن القوة والضعف لديهم.
وقد تنبهت إلى ذلك عدد من المؤسسات الثقافية في الدولة، فوجهت بوصلة مبادراتها وأنشطتها نحو هذه المواهب بكل اهتمام ورعاية، فأثمرت جهودها أقلاماً أدبية واعية ومُدربة بعناية، تثبت أن المواهب اليانعة هي ثروة الوطن التي يجب الحفاظ عليها، وهي أساس صناعة مستقبله.
د. بديعة الهاشمي*
*أستاذ مشارك في الأدب والنقد الحديث في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الشارقة