كان جوهر خطاب الرئيس دونالد ترامب للشعب الأميركي في العام الماضي بسيطاً: سيكون بإمكانكم الحصول على كل شيء.. يمكنكم الحصول على اقتصاد قوي ومتطور، مع تطبيق «عملية إبعاد جماعي فورية».. ويمكنكم بناء مصانع جديدة واستعادة الوظائف في قطاع التصنيع من المنافسين الأجانب.. ويمكنكم العيش في «عصر ذهبي» من الرخاء، مع إغلاق الحدود بإحكام لمنع وصول أي شخص من الخارج.
قال ترامب للأميركيين إنه لا توجد مقايضات، أو بمعنى آخر: يمكنكم الحصول على كل شيء دون التضحية بشيء. بل وأكثر من ذلك، فإن مجرد الاستمتاع بالوضع الراهن سيؤدي إلى تحسن الوضع أكثر، دون الحاجة إلى موارد أو مهارات أو وقت أو جهد إضافي. والواقع أنها كانت مجرد وعود غير واقعية. كان بإمكان الأميركيين التمتع باقتصاد قوي ومتنامٍ، وهو ما يتطلب استقدامَ العمالة اللازمة لتلبية احتياجات سوق العمل، أو أن يمولوا حملة لإبعاد المهاجرين، ويغلقوا الحدودَ أمام الجميع باستثناء قلة مختارة. كان خياراً ثنائياً؛ إما مجتمع مفتوح أو مغلق، لكن لم تكن هناك وسيلة للحصول على فوائد الخيار الأول عبر أساليب الثاني. صدّق ملايين الأميركيين هذا الوهم.
والآن، وبعد مرور ثمانية أشهر تقريباً من فترة ولاية ترامب الثانية، بات الواقع واضحاً. لقد بدأ ترامب حملةَ ترحيل جماعي. امتلأت مدننا بعناصر فيدراليين يقبضون على أي شخص يبدو «غير شرعي» بالنسبة لهم، وهو نوع من التمييز العنصري الذي أقرت به المحكمة العليا مؤقتاً. أما الوظائف، فلم تأتِ، إذ انخفض عدد وظائف قطاع التصنيع عما كان عليه في عام 2014، وذلك جزئياً بسبب سياسات الرئيس المتعلقة بالهجرة والتعريفة الجمركية.
وشهدنا مؤخراً في ولاية جورجيا مثالا واضحاً على الكيفية التي تؤثر بها سياساتُ الهجرة القمعية سلباً على النمو والاستثمار، عندما احتجز مسؤولو الهجرة مئات الكوريين الجنوبيين العاملين في مصنع بطاريات في بلدة صغيرة خارج مدينة سافانا. ففي يوم 4 سبتمبر، دهمت قوة كبيرة من عناصر إنفاذ القانون الفيدرالي والولائي والبلدية مصنعاً لبطاريات السيارات الكهربائية تديره شركتا «هيونداي»، و«إل جي إنرجي سوليوشن».
الإدارةُ وصفت هذه العملية بأنها من أكبر عمليات إنفاذ القانون التي نفذتها وزارةُ الأمن الداخلي في موقع واحد، لكن هدفها كان اعتقال أربعة أشخاص فقط. احتجز المسؤولون ما يقارب 500 شخص، معظمهم من العمال الكوريين الجنوبيين الذين جُلبوا للمساعدة في بناء المصنع. وفيما يبدو أن بعضَهم دخلوا الولايات المتحدة بشكل غير قانوني أو ظلوا بعد انتهاء تأشيراتهم، قال محامو آخرين إن موكليهم كان لديهم الحقُّ القانوني في العمل داخل البلاد.
هؤلاء العمال، الذين احتُجزوا أكثر من أسبوع، وصفوا ظروف الاحتجاز بالصعبة. وقالت صحيفة «هانكورييه» الكورية الجنوبية اليومية: «تم تقييد العمال بطريقة أجبرتهم على الانحناء ولعق الماء للشرب». وأضافت: «لم تكن الحمامات مزودة بأي حواجز، وكان هناك قطعة قماش واحدة فقط لتغطية أجزاء من أجسادهم. كان هناك ثقب صغير في الحائط لا يسمح بدخول أشعة الشمس، وكان يُسمح لهم بالخروج إلى الفناء الصغير لمدة ساعتين فقط».
تتجاوز عواقب هذه العملية الأمنية مجرد الصدمة التي لحقت بالعمال. فالرأي العام في كوريا الجنوبية غاضب، خاصة وأن هذه العملية جاءت بعد أسابيع قليلة من وعد الحكومة الكورية الجنوبية باستثمار مليارات الدولارات في مشاريع جديدة بالولايات المتحدة.
تساءل عضو البرلمان عن «الحزب الديمقراطي» المعارض، تشو جونج سيك: «إذا كانت السلطات الأميركية تعتقل مئات الكوريين بهذه الطريقة، وكأنها عملية عسكرية، فكيف ستستمر الشركات الكورية الجنوبية في الولايات المتحدة في الاستثمار بشكل طبيعي مستقبلاً؟». وحذّر الرئيس «لي ميونج باك» مِن أن استمرار الولايات المتحدة في هذا المعاملة القاسية للعمال الكوريين الجنوبيين «قد يؤثر سلباً على خطط الاستثمار المستقبلية». وأضاف: في ظل هذه الظروف، ستتردد شركاتُنا في تنفيذ استثمارات مباشرة في الولايات المتحدة».
ومن المتوقع أن تلاحظ دول أخرى هذه الأحداث وقد تعدل خططها الاستثمارية. وإلى جانب هذه الحملة، نلاحظ الآثار الاقتصادية لسياسات الرئيس المتعلقة بالهجرة على القوى العاملة في جميع أنحاء البلاد. ففي الولايات التي تضم أعداداً كبيرةً من المهاجرين غير النظاميين، شهد قطاعَا البناء والزراعة والسياحة تراجعاً في النمو هذا العام، وفقاً لتقرير حديث صادر عن مجموعة «إيكونوميك إنسايتس آند ريسيرش».
وقد حذّر مكتبُ الميزانية في الكونجرس من تباطؤ متوقع في النمو السكاني للولايات المتحدة، بل من انكماش ديموغرافي محتمل، نتيجة عمليات الترحيل وسياسات مكافحة الهجرة الأخرى. وقال إن ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع التضخم، وانخفاض النمو الاقتصادي في المستقبل القريب. وبحسب تحليل صادر عن كلية وارتون، فإن مكافحة الهجرة على المدى الطويل قد تقلل حجمَ الاقتصاد بنسبة تصل إلى 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وربما تؤثر على أجور العامل الأميركي العادي. عندما تجمع سياسات الرئيس المتعلقة بالهجرة مع الرسوم الجمركية الباهظة وغير المتوقعة على السلع المستوردة، فستحصل على نهج يكاد يكون مضموناً لإحداث حالة ركود تضخمي.
ويرى بعض الخبراء أن هذا السيناريو محتمل الحدوث. هذا ما كان ينبغي تَوقُّعُه من أجندة تسعى في الوقت نفسه إلى إغلاق الأبواب أمام الوافدين الجدد، وطرد عدد كبير من العمال المنتجين، وفرض نظام تجاري جديد قائم على الحمائية. من الصعب تصوّر أن مثل هذه السياسات والوعود غير الواقعية تهتم حقاً بإحداث نتائج إيجابية في حياة الناس، ناهيك عن مصالح الولايات المتحدة.
*كاتب أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»