تدخل الولايات المتحدة مرحلة تبدو وكأنها تشبه الركود التضخمي، ذلك المصطلح المزعج الذي لم يُسمع به كثيراً منذ سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن الماضي. ويُقصد به أن كلّاً من البطالة والتضخم آخذان في الارتفاع. حتى الآن، كان الارتفاع طفيفاً، وربما يكون أفضل وصف له هو «ركود تضخمي مخفف»، لكنه لا يزال مُقلقاً لأنه يكاد يكون من المستحيل علاج كِلا الداءين في الوقت نفسه.
لم يستخدم رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، هذا المصطلحَ «ركود تضخمي» في إطلالاته الأخيرة، لكنه وصف الوضع مراراً بأنه «غير عادي». وتوقّع قادة الاحتياطي الفيدرالي تدهورَ الأوضاع في الأشهر المقبلة، مع توقعات بوصول التضخم إلى 3% (ارتفاعاً من 2.2% في أبريل)، وتوقّع وصول معدل البطالة إلى 4.5% (ارتفاعاً من 4.2% في أبريل).
وأوضح باول أنه أكثر قلقاً بشأن تدهور وضع الوظائف. فقد خفّض الاحتياطيُّ الفيدرالي أسعارَ الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، وألمح إلى المزيد من التخفيضات قبل نهاية العام لتفادي المزيد من تسريح العمال ولتجنّب الركود.
عادةً، عندما يفقد الناسُ وظائفَهم، يحدث ركودٌ اقتصادي، وتميل الأسعارُ إلى الثبات، حيث تقدم الشركاتُ عروضاً لاستعادة عملائها. لكن هذه فترة غريبة في الاقتصاد، ويعود ذلك أساساً إلى فرض أعلى تعريفات جمركية منذ 90 عاماً، بالإضافة إلى ازدهار الذكاء الاصطناعي. وهذه القوى تعمل على انحراف مسار الاقتصاد. ترتفع أسعارُ العديد من السلع مع تحمُّل الشركات للرسوم الجمركية التي تدفعها لاستيراد السلع وقطع الغيار من الخارج.
وفي الوقت نفسه، يعتقد العديدُ من قادة الأعمال أنهم بالغوا في التوظيف خلال عام 2023. وتشير أحدث بيانات مراجعة الوظائف، التي تُظهر انخفاضاً قدره 911000 وظيفة بين أبريل 2024 ومارس 2025، إلى أن العديد من الشركات تباطأت في التوظيف خلال عام 2024. والآن، في عام 2025، أصبحت أكثر حذراً بسبب حالة عدم اليقين.
وفي الأشهر الستة المقبلة، ستقوم الشركاتُ، إمّا بتحميل المستهلكين مزيداً مِن تكاليف الرسوم الجمركية، أو بخفض التكاليف عبر تسريح العمال، أو بخليط من الاثنين، كما يبدو أن الاحتياطي الفيدرالي يتوقع ذلك. الولايات المتحدة مقبلةٌ على أشهر مضطربة مع وصول أسوأ تأثيرات الرسوم الجمركية إلى ميزانيات الشركات والأسر. وتُظهر استطلاعات الرأي العام وبيانات ثقة المستهلكين حالةً مِن الخوف والإحباط إزاء ارتفاع الأسعار وتدهور سوق العمل.
لكن النمو الاقتصادي هو الجانب الأكثر غرابةً. فمصطلح «الركود التضخمي» يأتي جزئياً من الركود، أي ضعف النمو أو الانكماش. ومع ذلك، فقد نما الاقتصاد الأميركي بمعدل 3.3% في الربع الثاني، وتشير أحدث تقديرات بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى أن معدل النمو قد يبلغ حوالي 3% في الربع الثالث أيضاً. المفتاح لفهم الاقتصاد هو إدراك وجود اتجاهين رئيسيين يدعمان النمو: إنفاق الأثرياء واستثمارات الشركات الضخمة في طفرة الذكاء الاصطناعي. والاقتصاد اليوم يميل بشدة لصالح بعض اللاعبين الكبار. حتى الآن، كان إنفاق الشركات على البرمجيات ومراكز البيانات، وهو يرتبط أساساً بالذكاء الاصطناعي، مساهِماً أكبر في الاقتصاد من الاستهلاك.
وهذا أمر مذهل. فالولايات المتحدة تُعرف بأنها اقتصاد استهلاكي يعتمد نموُّه بالدرجة الأولى على إنفاق الناس على كل شيء، من البورجر والبطاطس المقلية إلى العلاجات التجميلية ومباريات كرة القدم. لكن فجأة، أصبح الاقتصادُ قائماً على الذكاء الاصطناعي. وكما ذكر بنك «جي بي مورجان» في تقرير حديث، فقد «ساهمت النفقات الرأسمالية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي بنسبة 1.1% في نمو الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزةً بذلك المستهلكَ الأميركي كمحرك للتوسع».
وتُهيمن على هذا الإنفاق شركات تقنية كبرى مثل ميتا، وألفابت، ومايكروسوفت، وأمازون، وأوراكل. ولا يزال هناك بعض الإنفاق الاستهلاكي، لكنه يأتي أساساً من أعلى 20% من أصحاب الدخل: أي مَن يكسبون نحو 175 ألف دولار سنوياً أو أكثر. وكما يشير «مارك زاندي»، كبير الاقتصاديين في موديز أناليتيكس، فإن أدنى 80% من أصحاب الدخل بالكاد يحافظون على مستويات إنفاق تواكب التضخم. والمقابل، يستمر أعلى 20% في زيادة إنفاقهم بمعدلات تَفوق التضخمَ، ربما لأن الأثرياء يستفيدون أكثر من المكاسب القياسية في أسواق الأسهم.
ومن المرجّح أن يستمر الاقتصاد في النمو حتى مع تعرّض الأسر متوسطة ومنخفضة الدخل لضغط كبير من الأسعار المرتفعة والأجور التي لا تواكب (أو بالكاد تواكب). وهناك حافز قليل لدى أصحاب العمل لزيادة الرواتب بشكل كبير عندما يكون من الصعب العثور على وظيفة أخرى.
وقد دار كثيرٌ من النقاش حول مدى صعوبة التعامل مع بيئة شبيهة بالركود التضخمي بالنسبة للاحتياطي الفيدرالي. إذ بينما يركز على خفض أسعار الفائدة لمنع المزيد من التسريحات، فإنه يخاطر بارتفاع التضخم أو بحدوث فقاعة في الذكاء الاصطناعي، شبيهة بما حدث في عصر «فقاعة الدوت كوم». لكن ثمة وضع معقد آخر في اقتصاد منقسم على شكل حرف K، حيث تزدهر الطبقة العليا بينما تُكافح البقيةُ للبقاء. أو في سياق الأعمال، حيث تزدهر الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما تكافح قطاعاتٌ أخرى مثل العقارات والزراعة والتصنيع.. فأي مجموعة سيساعدها صانعو السياسات؟
قال بيتر أتووتر، رئيس شركة «فايننشال إنسايتس»: «يكمن التحدي الأساسي في اقتصادٍ على شكل حرف K في أنه بالنسبة للطبقة العليا، ستُرفع أسعار الفائدة بشكلٍ حاد، بينما بالنسبة للطبقة الدنيا، ستُخفضها بشكلٍ كبير». هناك قوى غير معتادة عديدة تلعب دوراً الآن، لكن ما يُغفل كثيراً في النقاش هو التالي: إنه اقتصاد مضطرب بالنسبة للطبقة الوسطى، وسيكون من الخطأ ترك وضعها يزداد سوءاً. *كبيرة الاقتصاديين في اتحاد الائتمان الفيدرالي البحري.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»