شهدت العلاقات التجارية ومفاوضات التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي مراحل متعددة. فقد تطورت العلاقات بين الطرفين تدريجياً منذ ستينيات القرن الماضي عندما بدأ التعاون الاقتصادي بينهما. وفي عام 1994 تم توقيع اتفاقية التعاون بين الهند والاتحاد الأوروبي، والتي تطورت لاحقاً إلى شراكة استراتيجية في عام 2004.
خلال هذه الفترة، ارتفعت قيمة التجارة البينية من 13.7 مليار يورو إلى 30 مليار يورو بحلول عام 2007، ما شكّل أساساً لبدء مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة.
لكن المفاوضات التي انطلقت بوتيرة جدية في عام 2007 استمرت بسلاسة حتى عام 2013، حيث تعثّرت بسبب الخلافات حول الرسوم الجمركية، والخدمات، والمعايير التنظيمية، والزراعة، والملكية الفكرية، وحركة الأفراد، ولم تكن هناك أي بوادر لتوصُّل الطرفين إلى اتفاق. غير أنّ المفاوضات استؤنفت عام 2022 بالتوازي مع مناقشات حول حماية الاستثمارات والمؤشرات الجغرافية. وخلال الأعوام الثلاثة الماضية تسارعت وتيرة المفاوضات مع زيادة جولات التفاوض والتشاور حول الشفافية، والتعاون التنظيمي، والجمارك، وتيسير التجارة. وفي الوقت نفسه، تضاعف حجم تجارة الخدمات بين الطرفين من 30 مليار يورو في 2021 إلى 60 مليار يورو بحلول نهاية 2023.
لم تَعُد المفاوضات، التي توقفت مؤقتاً بسبب صعوبة التوصل إلى توافق بين الطرفين، تشكّل عائقاً، بل تشهد منعطفاً حاسماً مع التطورات الجيوسياسية الجديدة. إذ تميل الهند أكثر نحو الاتحاد الأوروبي بعد أن أصبحت علاقاتها عبر الأطلسي مشروطة، بينما يجد الطرفان نفسيهما في حالة تقارب لتعزيز حضورهما الاقتصادي عالمياً. فبينما توفر الهند سوقاً واسعة، وتتشارك مع الاتحاد الأوروبي في القيم الديمقراطية، وتُعد شريكاً آمناً لضمان سلاسل الإمداد، يرى الاتحاد الأوروبي في الهند شريكاً مهماً للاستثمار والتبادل التجاري ونقل التكنولوجيا، مما قد يساعد الهند في تحقيق هدفها المتمثل في بلوغ حجم اقتصاد يبلغ 10 تريليونات دولار.
في الأسبوع الماضي، اقترح الاتحاد الأوروبي استراتيجية جديدة لتحسين العلاقات الثنائية مع الهند. فقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لاين» مبادرة أُطلق عليها اسم «الأجندة الاستراتيجية الجديدة للهند والاتحاد الأوروبي». وأكدت أنّ هذه الاستراتيجية تهدف إلى رفع مستوى العلاقات من خلال تعزيز التجارة والاستثمار وتعزيز تبادل الخبرات والمهارات. وقالت: «نسعى لتعزيز الأمن الاقتصادي المشترك، والاتحاد الأوروبي مستعد للاستثمار في مستقبل مشترك مع الهند». وتشمل الاستراتيجية خمسة محاور رئيسية للمصالح المشتركة، بدءاً من التقنيات الناشئة، والانتقال نحو الطاقة النظيفة، والأمن والدفاع، والاتصال الإقليمي (التعاون متعدد الأطراف)، وتعاون تبادل الخبرات والمهارات.
تُكمل الهند والاتحاد الأوروبي بعضهما البعض، ويقدمان فرصاً كبيرة لكلا الجانبين. لذلك، فإن حل مشكلات الوصول إلى السوق، والرسوم الجمركية على المنتجات الزراعية، وآلية تعديل الرسوم الجمركية على الكربون، أمر بالغ الأهمية لتعزيز حجم التجارة. وتُعتبر آلية تعديل الكربون سياسة أوروبية تفرض سعراً على انبعاثات الكربون لضمان عدم تقويض أهداف الاتحاد الأوروبي المناخية. أمّا بالنسبة للهند، فمن المهم حماية الصناعة الهندية وضمان عدم إلحاق الضرر بالمصدرين الهنود بسبب أهداف الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالمناخ.
إن إبرام اتفاقية التجارة الحرة سيظهر كيف يمكن إقامة شراكة تجارية متوازنة في ظل تزايد تشتت التجارة العالمية. كما سيظهر أن الاتحاد الأوروبي والهند يمكن أن يكونا بديلاً للإنتاج في الصين، مما يقلل اعتماد أوروبا على الأخيرة. أما بالنسبة للهند، فإن دخول سوق الاتحاد الأوروبي الموحدة سيُعزز صادراتها ويحسّن من قيمة قطاعها الصناعي. وستساهم الاتفاقية أيضاً في تحقيق التنمية المستدامة، وتنظيم انبعاثات الكربون، والتجارة الرقمية.
ويتمثل الاختلاف الرئيسي بين الاتحاد الأوروبي والهند في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة في مسألة الوصول إلى السوق، والمعايير التنظيمية، والخدمات. يطالب الاتحاد الأوروبي بخفض الرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية والسيارات ومنتجات الألبان، مع تعزيز حماية الملكية الفكرية والالتزام بمعايير بيئية صارمة. لكن الهند ما زالت حذرة من فتح قطاعات الزراعة ومنتجات الألبان والصناعات المحلية. وتخشى الهند أن تُضعف الاتفاقية مبادرة «صنع في الهند» أو تحد من قدرتها على تنظيم التجارة الإلكترونية وحرية تنقل الأفراد. كما تسعى الهند إلى مزيد من المرونة في تنقل خبراء تكنولوجيا المعلومات وأصحاب الأعمال، بينما يطالب الاتحاد الأوروبي بالتزام الهند بحرية تنقل العمالة والمساواة في المعايير التنظيمية.
وعلى مستوى القطاعات، يمكن تحديد مزايا وعيوب اتفاقية التجارة الحرة من خلال تحليل المنافسة وعوامل الرسوم الجمركية. فمن المتوقع أن تستفيد قطاعات المنسوجات والملابس والجلود والأحذية وتكنولوجيا المعلومات والأعمال في الهند من فرص السوق والتنقل في الاتحاد الأوروبي. بينما ستواجه صناعات السيارات والألبان والزراعة منافسة متزايدة بفعل خفض الرسوم الجمركية. أما بالنسبة للاتحاد الأوروبي، فيتوقع أن تكون النتيجة معاكسة. ومع ذلك، قد تستمر بعض الخلافات في مجالات التجارة الرقمية والتنظيم التجاري.
*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي