أثار اغتيال تشارلي كيرك، نجم الحركة المحافظة البارز البالغ من العمر 31 عاماً، في جامعة يوتا فالي، يوم الـ10 سبتمبر الجاري، موجةَ غضب عارمة بين مؤيدي دونالد ترامب. ويمكن القول إن الغضب ورد الفعل العاطفي داخل الحركة المحافظة تعادل مِن بعض الجوانب حالة الاستياء التي سادت بين الليبراليين عندما قُتل الشاب الأسود جورج فلويد على يد شرطي أبيض في مينيابوليس في مايو 2020.
وكان كيرك قوة سياسية استثنائية داخل الحزب الجمهوري. فقد شارك في تأسيس منظمة «نقطة تحول أميركا» (تيرنينج بوينت يو إس إيه) عام 2012، وكان له دور فعال في حشد عدد كبير من الشباب الأميركيين، وخاصة الذكور، للتصويت لترامب في الانتخابات الرئاسية عام 2024. ويَعتقد بعضهم أن جهود كيرك كانت حاسمةً في ضمان فوز ترامب على كامالا هاريس في الولايات المتأرجحة الرئيسة. وقد حضر أكثر من 200 ألف شخص مراسم تأبين كيرك في أريزونا، يوم الـ21 من الشهر الجاري، من بينهم زوجته والرئيس ترامب نفسه ونائب الرئيس فانس. ركزت كلماتُ التأبين على الإشادة باستعداد كيرك للمناظرة مع خصومه بشأن القضايا الأساسية وسط المناخ السياسي المرير السائد في ما يتعلق بمستقبل البلاد ودور الدين في صناعة السياسات.
ولا يمكن تحديد مدى تأثير وفاة كيرك على سياسة الحزب الجمهوري وجهوده المستمرة بغية جذب الشباب إلى صفوفه في الوقت الراهن، لكن كثيرين يعتقدون أنه سيكون من الصعب إيجادُ بديل لشخص يتمتع بمثل تلك المواهب وذلك النشاط. وفي الوقت نفسه، سيستمر النقاشُ حول إرثه. ورغم أن منتقديه ظلوا صامتين نسبياً خلال فترة الحداد، فإن الأسباب التي جعلته شخصيةً مثيرةً للجدل ستصبح جزءاً من تاريخ السياسة الأميركية المعاصرة.
كان كيرك من أبرز المدافعين عن القومية البيضاء. ويرى التيار التقدمي أن العنصرية ما زالت موجودةً في أميركا، وأن أحد أسبابها وجود ما يسمى «امتيازات البيض». هذا المفهوم يفسر لماذا يتمتع البيضُ بعدد كبير من المزايا المالية والسياسية والاجتماعية التي لا تتوفر لمعظم غير البيض. أما كيرك فقد جادل بأن هذه النظرية مجرد خرافة. وعلاوةً على ذلك، فقد اتهم «الديمقراطيين» بأنهم يدعمون الهجرة المفتوحة لغير البيض إلى الولايات المتحدة، بهدف تقليص الأغلبية الديموغرافية التي يتمتع بها البيض منذ تأسيس الجمهورية. وكان كيرك يعتقد أيضاً أن «الديمقراطيين» يعادون فكرةَ أن الولايات المتحدة دولة مسيحية تاريخياً، وأنهم يؤيدون بشدة فصل الدين عن الدولة. أما كيرك، وهو مبشّر مسيحي، فكان يؤمن بتعزيز العلاقة بين الدين المسيحي والسياسات العامة للولايات المتحدة. وعلى خلفية هذه المواقف، يرى منتقدوه أنه شجع على المواجهة، وروّج لخطاب «نحن وهم».. مما ساهم في زيادة الاستقطاب داخل السياسة الأميركية.
لكن المفارقة أن واحدة من أكثر اللحظات درامية في مراسم التأبين جاءت من «إيريكا كيرك»، زوجته وأم طفليه الصغيرين، حين استشهدت بتعاليم العهد الجديد من الكتاب المقدس، معلنةً أنها تسامح الرجل الذي اعتُقل بتهمة قتل زوجها، مقتبسةً من الإنجيل بعضَ الكلمات ذات الصلة، وقائلةً إن «الردَّ على الكراهية ليس بالكراهية». وفي وقت لاحق من حفل التأبين، اعترض الرئيس ترامب على كلماتها موضحاً أنه لا يتفق معها: «أنا أكره خصومي ولا أريد لهم الخير. آسف يا إيريكا». 
وبذلك يكون السؤال هنا: هل ستؤثر آراء إريكا كيرك، بشأن التسامح، على الخطاب السياسي الأميركي الحالي، الذي يغلب عليه الطابع الانقسامي الحاد؟ أحد المؤشرات سيكون رد فعل القادة المسيحيين الإنجيليين الآخرين من مؤيدي ترامب. فإذا بدأ المزيد من الناس في التشكيك بشأن جدوى سياسة الانتقام، فقد يسهم ذلك في تخفيف حدة الخطاب السياسي لدى «الجمهوريين» والتيار اليميني عامةً. وإذا حدث ذلك، فسيضطر «الديمقراطيون» أيضاً إلى تغيير سلوكهم. وستكون هذه نتيجة إيجابية لكل مَن يؤمن بضرورة تبني خطاب سياسي حازم، ولكنه أكثر تهذيباً.

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن