في سياق طموحها لترسيخ موقعها كفاعل رئيسي في صناعة النقل البحري العالمي، تستعد دولة الإمارات العربية المتحدة لاستضافة فعالية «الحدث الموازي لليوم البحري العالمي» لأول مرة في تاريخها، وذلك بين 30 سبتمبر و1 أكتوبر 2025 في دبي. ويأتي هذا الحدث، الذي تنظمه وزارة الطاقة والبنية التحتية بالتعاون مع المنظمة البحرية الدولية، تحت شعار «محيطنا – التزامنا – فرصتنا»، ليعكس رؤية الإمارات التنموية ودورها المتنامي في صياغة مستقبل القطاع البحري، بما يحمله من أبعاد اقتصادية واستراتيجية وبيئية على المستويين الإقليمي والدولي.

وتعدُّ هذه الاستضافة محطة جديدة ضمن جهود الإمارات في ترسيخ مكانتها كمركز عالمي في قطاع النقل البحري، والتحوُّل إلى بيئة متقدمة في ابتكار الحلول المتقدمة ضمن هذا القطاع الحيوي، حيث ستجمع الفعالية صناع القرار والخبراء من مختلف دول العالم لبحث القضايا الاستراتيجية، وتبنِّي رؤى مشتركة تجمع بين مصالح التجارة الدولية وحماية البيئة البحرية، وبما يمكن أن يمهِّد لوضع معايير جديدة لمسؤولية الدول في عصر الطاقة النظيفة واستخداماتها في قطاعات النقل والشحن واللوجستيات البحرية.

وتأتي هذه الاستضافة امتداداً لمسيرة دولة الإمارات في تكريس دورها كلاعب رئيس في صناعة الموانئ والنقل البحري، بعد نجاحها في عام 2023 باستضافة «مؤتمر الموانئ العالمي للاتحاد الدولي للموانئ والمرافئ» ولأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو ما يعكس ثقة المجتمع الدولي بقدرات الإمارات كمنصة فاعلة يمكن عن طريقها تنسيق الجهود الدولية لصياغة مستقبلٍ مستدام وصديقٍ للبيئة في القطاع البحري.

ويستند نجاح الإمارات إلى عدد من العوامل، من بينها الموقع الاستراتيجي المتميِّز والذي يربط الشرق بالغرب، والاستثمارات الضخمة التي تُضخُّ في البنى التحتية للموانئ والخدمات اللوجستية. وما يجب التأكيد عليه أن استضافة الإمارات هذا الحدث المهم تُبرز دورها في قيادة التحوُّل نحو البدائل النظيفة من الطاقة في القطاع البحري، عن طريق توفير بنية تحتية خضراء لتزويد السفن بوقود منخفض الكبريت أو الغاز الطبيعي، هذا إلى جانب دعم استخدام أنواع الوقود الحيوي والميثانول الأخضر، وهي الأمور التي تنسجم مع توجُّهات المنظمة البحرية الدولية، نحو تحقيق إزالة الكربون من القطاع بحلول عام 2050.

وتواكب الجهود الوطنية لدولة الإمارات التطوُّر المتسارع في تكنولوجيات النقل البحري على المستوى العالمي، حيث تتوجه دول عدة إلى اعتماد مصادر الطاقة الجديدة لتحقيق الحياد الكربوني والحدِّ من انبعاثات القطاع، وفي مقدمتها المفاعلات المعيارية الصغيرة في السفن التجارية، حيث تعمل شركات كبرى مثل «سي إس إس سي» الصينية و«ميرسك» الدنماركية و«لويدز ريجستر» و«كور باور» البريطانيتين إلى جانب «هيونداي» و«سامسونج» من كوريا الجنوبية، على دراسة وتطوير سفن حاويات، وناقلات للغاز الطبيعي المُسال، ومحطات نووية عائمة تعمل بهذه المفاعلات، مع طموحات بتشغيلها تجاريّاً بحلول عام 2030.

كما تعمل هيئات التصنيف العالمية، مثل المكتب الأميركي للشحن البحري (إيه بي إس)، وهيئة التصنيف النرويجية (دي إن في) على تطوير الأطر التشريعية والتنظيمية، التي تضمن الاستخدامات الآمنة لهذه التكنولوجيات النووية المتقدمة، والتي من المُتوقع إسهامها في إحداث نقلة نوعية ضمن قطاع النقل البحري العالمي، باعتبارها بديلاً واعداً للوقود الأحفوري، مع إمكانية تقليل الانبعاثات الكربونية إلى مستويات شبه منعدمة، وتوفير قدرات تشغيلية تستمر طوال عمر السفينة دون حاجة للتزود بالوقود، ما يتيح خفض التكاليف التشغيلية وتعزيز الكفاءة الاقتصادية على المدى الطويل.

إن استضافة دولة الإمارات لفعالية «الحدث الموازي لليوم البحري العالمي» تعكس وضوح رؤيتها في أن الاستثمار في الاستدامة والتكنولوجيات المتقدمة لم يعُد خياراً إضافياً، بل أصبح ركيزة أساسية في استراتيجيتها التنموية.

ومن خلال هذا الحدث، ترسخ الإمارات صورتها ليس فقط كدولة مضيفة للفعاليات العالمية المؤثرة، بل كقوة فاعلة في إعادة صياغة مستقبل قطاع النقل البحري. وفي هذا الإطار، تؤكد الدولة أن البحر يشكل مورداً جوهرياً للاستدامة الاقتصادية والبيئية معاً، فيما يظل الابتكار البوصلة الحقيقية القادرة على توجيه العالم نحو اقتصاد بحري مستدام، يعزز التوازن بين مصالح الإنسان وحقوق البيئة البحرية.

* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.